«قصف مكة» في صراع المحاريب والقصور: كيف يُعاد تدوير المقدس في أتون السياسة؟
كيف يُعاد تدوير المقدس في أتون السياسة والصراعات الإقليمية؟ قراءة تحليلية في توظيف الرموز الدينية والجغرافيا المقدسة لتحقيق أهداف استراتيجية وجيوسياسية.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تتداخل الجغرافيا السياسية في غرب آسيا مع خطوط العرض العقائدية تداخلاً يجعل من العسير تفكيك المشهد دون الارتطام بحافة المقدس. فالصراعات التي تدور رحاها اليوم على رقعة الشطرنج الإقليمية ليست مجرد تدافع عسكري بين جيوش وقوى مهيمنة، بل هي في جوهرها معارك سيميائية تُستدعى فيها الرموز الدينية والمذاهب الفقهية لتُعاد صياغتها كأدوات دعائية، تهدف إلى دغدغة الوجدان الجمعي للشعوب، وتحويل الخلافات السياسية القابلة للتفاوض إلى حروب وجودية وميتافيزيقية لا تقبل الحلول الوسط.
يتجلى هذا التوظيف للمقدس بشكل صارخ في السجال المستمر حول استهداف البقاع المقدسة، وتحديداً منطقة مكة المكرمة. فعلى مدى سنوات الصراع بين المملكة العربية السعودية وجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، دأبت الرواية الرسمية للتحالف بقيادة الرياض على اتهام الجماعة بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة نحو العاصمة المقدسة للمسلمين. تهدف هذه الرواية استراتيجياً إلى خلق أرضية إجماع شعبي وعربي وإسلامي واسع، وتصوير الخصم في صورة المعتدي على أقدس بقاع الأرض، مما يمنح الحرب مشروعية أخلاقية تتجاوز الحسابات السياسية، ويُسهم في تأجيج المشاعر العامة ضد جماعة الحوثي ومن ورائها إيران. وفي المقابل، تتبنى الجماعة خطاباً ينفي هذه التهم نفياً قاطعاً، وتدرجها في سياق الدعاية الحربية والمزاعم المستهلكة، مؤكدة أن بوصلتها العسكرية موجهة حصراً نحو أهداف ومنشآت نفطية وقواعد جوية في العمق السعودي.
ومن زاوية التحليل الفكري، يظهر أن "ورقة مكة" تمثل سلاحاً دعائياً ذا حدين؛ إذ إن أي مقذوف يخطئ هدفه العسكري بالقرب من هذه الجغرافيا الحساسة يمنح الطرف الآخر أقوى أداة لشيطنة خصمه ونزع الشرعية عنه أمام ملايين المسلمين.
هذا النمط من استغلال المقدس ليس وليد اللحظة الراهنة، فالذاكرة السياسية للمنطقة تختزن حوادث مماثلة أعاد فيها التاريخ نفسه. فخلال حرب الخليج الثانية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما أطلق الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين صواريخ "سكود" باتجاه الأراضي السعودية، ركزت الآلة الإعلامية لخصومه على فكرة أن هذه الصواريخ تشكل تهديداً مباشراً لأمن الحرمين الشريفين. كان الهدف حينها واضحاً: تجريد الخطاب القومي العروبي لصدام حسين من شرعيته الإسلامية، وحشد تعاطف شعبي ودولي واسع ضده عبر تصوير المعركة على أنها دفاع عن حياض المقدسات الإسلامية.
ولا يتوقف التوظيف السياسي للدين عند حدود الجغرافيا المقدسة، بل يمتد ليتغلغل في أعماق الخلافات المذهبية والفقهية عبر تكتيك "الشيطنة والتكفير". فالصراع الإقليمي بين الرياض وطهران تم تغليفه لسنوات طويلة بخطاب طائفي حاد، تحولت فيه المنابر الدينية إلى منصات لتصوير الخصم السياسي كعدو عقائدي، مستخدمة أوصافاً مثل "المجوس" أو "الرافضة" من جهة، ومصطلحات مقابلة من الجهة الأخرى. هذا الفرز الطائفي يتعمد إسقاط التعددية الفقهية والتاريخية العميقة داخل الفكر الإسلامي. فعلى سبيل المثال، يجري تسطيح الهوية المذهبية للزيدية في اليمن أو المذهب الجعفري الشيعي لأغراض الصراع، متغافلين عن حقائق علمية كبرى مثل الفتوى التاريخية لشيخ الأزهر محمود شلتوت في خمسينيات القرن الماضي، والتي اعترفت بالمذهب الجعفري كمذهب إسلامي خامس يجوز التعبد به كغيره من المذاهب السنية.
وفي المقابل، واجه المذهب الوهابي السلفي، الذي شكل العصب الأيديولوجي للمملكة لعقود، تحديات فكرية من داخل المحيط السني نفسه. ولعل أبرز تجليات هذا الصراع الفكري ما شهده مؤتمر غروزني الذي عُقد في الشيشان، حيث توافق مئات العلماء، بمشاركة مرجعيات دينية كبرى كالأزهر الشريف، على حصر هوية "أهل السنة والجماعة" في المذاهب الفقهية والأشعرية والصوفية، مستبعدين الفكر الوهابي والسلفية الجهادية، في خطوة حملت في طياتها أبعاداً سياسية استهدفت محاصرة النفوذ الديني للرياض في ذلك الوقت.
إن خطر تسييس المقدس لا يقتصر على البيت الداخلي الإقليمي، بل يمتد ليشكل ثغرة قد تستغلها قوى خارجية، وتحديداً في سياق الصراع العربي الإسرائيلي. وتبرز في هذا الصدد هواجس فكرية وتحذيرات من إمكانية استغلال جماعات اليمين المتطرف في إسرائيل لأي هجمات صاروخية تنطلق من جبهات المقاومة مثل اليمن أو غزة وتخطئ مسارها لتسقط بالقرب من القدس. إن البروباغندا الإسرائيلية قد توظف مثل هذه الحوادث الجانبية لصناعة رواية مضللة تبرر من خلالها تنفيذ مخططات قديمة ومتطرفة تستهدف المسجد الأقصى والمصلى القبلي، ملقية باللوم على المقذوفات الإسلامية لتمرير أجنداتها الرامية لإنهاء الوجود الإسلامي في الحرم القدسي تحت غطاء من الدعاية الحربية الذكية.
هذا النمط المتكرر من إقحام المعتقدات في الصراعات السياسية ليس حكراً على الشرق الأوسط، بل هو سلوك بشري ممتد عبر التاريخ والجغرافيا. ففي العصور الوسطى الأوروبية، رفع البابا أوربان الثاني شعار "الرب يريد ذلك" ليحرك ملوك وفقراء أوروبا نحو الحروب الصليبية، محولاً الأطماع السياسية والاقتصادية التوسعية إلى واجب ديني مقدس. وفي المشهد الدولي المعاصر، تبرز الحرب الروسية الأوكرانية كمثال حي، حيث توظف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خطاباً دينياً يضفي على العمليات العسكرية صبغة "المعركة المقدسة" لحماية القيم التقليدية ضد الانحلال الأخلاقي الغربي. وفي شبه القارة الهندية، يبرز صراع كشمير كنموذج آخر، حيث تستغل النخبة الحاكم في الهند القومية الهندوسية لشيطنة الأقلية المسلمة وتبرير الإجراءات العسكرية هناك. وتكتمل الدائرة بتوظيف التنظيمات المتطرفة مثل داعش والقاعدة لفكرة "الخلافة" والجهاد، مستغلة النصوص الدينية بشكل مجتزأ لدغدغة مشاعر الشباب وسوقهم نحو محارق الموت تحت شعارات براقة.
في نهاية المطاف، يظل تسييس المقدس وسيلة الأنظمة والجماعات المفضلة للهروب من استحقاقات السياسة وأزمات الشرعية. إن تحويل الصراع من خلاف على مصالح جغرافية، ونفوذ سياسي، وحقوق اقتصادية، إلى معركة بين السماء والأرض، هو تكتيك يهدف إلى إلغاء العقل وتحصين القرارات السياسية من النقد والمراجعة. ولا يمكن للمنطقة أن تغادر هذه الدائرة المفرغة من الحروب بالوكالة إلا بتفكيك هذه الدعاية الفكرية، والفصل الحاسم بين المطلق الديني الذي يجمع، والنسبي السياسي الذي يتغير ويتمحور حول المصالح. وبدون هذا الوعي الفكري، ستبقى الشعوب وقوداً لحروب تُدار من القصور، وتُساق باسم المحاريب.