تحولات الردع الكبرى: لماذا ليست الحرب التركية الصهيونية مستحيلة؟
قراءة تحليلية معمقة في طبيعة الصراع بالشرق الأوسط وحتمية المواجهة المباشرة بين تركيا والكيان الصهيوني وسط تحولات جيوسياسية كبرى وتراجع الدعم الغربي.
بقلم: د. علاء أبوعامر
تتحرك رمال السياسة في الشرق الأوسط وفق منطق لا يعترف بالثوابت الأبدية، غير أن الكثير من القراءات والمحللين يسقطون في فخ "الاستبعاد المطلق" بناءً على حسابات اللحظة الراهنة والتحالفات القائمة، متناسين أن جوهر الصراع في المنطقة تحكمه محددات أعمق وأكثر ثباتاً. إن النظرة الفاحصة لطبيعة الكيان الصهيوني التوسعية ووظيفته الأساسية التي أُنشئ من أجلها، تكشف أن المواجهة مع القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، ومنها تركيا، ليست مجرد فرضية مستبعدة، بل هي مسار تفرضه طبيعة الأشياء وحتميات التاريخ.
لقد تأسس هذا الكيان بوظيفة سياسية وعسكرية واضحة شهدت عليها قياداته الصهيونية صراحة، وهي العمل كقاعدة متقدمة لمواجهة الشرق المسلم، ومنع أي محاولة لوحدته أو تطوره الاستراتيجي. هذا العمق العقائدي والوظائفي يجعل الصدام حتمياً عندما تتعارض المشاريع التوسعية مع مصالح الدول الإقليمية الكبرى التي تمتلك إرثاً حضارياً وقوة عسكرية لا يستهان بها.
ولا بد لنا هنا من استدعاء شواهد قريبة من التاريخ المعاصر لإثبات قصور الرؤية التحليلية السائدة. فبالأمس القريب، كان الغالبية العظمى من المحللين يجزمون باستحالة المواجهة المباشرة بين إيران والكيان، وصنفوا خطوطهما الحمراء ضمن مسرحيات مستمرة. وحتى عندما تجرأ الكيان ودمر القنصلية الإيرانية في دمشق، تبارى الكثيرون في التأكيد على أن طهران لن ترد، وسخر البعض من القلة التي توقعت العكس، مرجّحين منطق "الحروب بالوكالة" وجبن الأطراف. لكن الواقع صدم الجميع حين جاء الرد الإيراني مباشراً في عمق الكيان، مخلفاً دماراً وهزة نفسية وعسكرية لم تفعلها الجيوش العربية التقليدية مجتمعة منذ عقود.
هذا التحول في معادلات الردع يفتح الباب واسعاً لقراءة مستقبل العلاقات التركية الصهيونية من منظور مختلف. إن تركيا، بوزنها العسكري وقوتها المتنامية، قد تجد نفسها مدفوعة لخوض ذات التجربة والدخول في مواجهة مباشرة إذا ما تقاطعت الخطوط الحمراء أو تمادى الكيان في تهديد أمنها القومي أو محيطها الحيوي، وحينها سيكون وضع الكيان أسوأ بكثير مما هو حاصل اليوم مع الحالة الإيرانية بالنظر إلى القدرات التركية الشاملة والتكامل المفترض مستقبلا مع سوريا ما بعد الاسد.
إن التغيرات الدولية تدعم هذا التحليل بصورة واضحة. فالقوى التقليدية التي كانت تسارع لحماية الكيان بدأت تعيد حساباتها؛ أوروبا تنأى بنفسها تدريجياً عن دفع أثمان مغامراته، والولايات المتحدة المثقلة بأزماتها والمنهكة من جبهات متعددة لم تعد قادرة على الدخول في حرب مفتوحة لأجل غيرها. وفي حال اندلاع مواجهة مع تركيا، التي تمثل حليفاً استراتيجياً وركيزة أساسية في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، فإن الأرجح أن واشنطن لن تغامر بالتدخل العسكري المباشر لحساب الكيان، بل ستكتفي بممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية مكثفة لإنهاء الحرب، خوفاً من تفكك منظومتها الغربية وتفجر المنطقة بالكامل، مستبعدين أي سيناريو للمساعدة إلا ما قد يظهر من بعض الأطراف الإقليمية العربية التابعة التي اعتادت تقديم طوق النجاة للكيان.
إن التاريخ لا يكتبه المستسلمون للأمر الواقع، بل تصنعه التحولات الجيوسياسية التي تكسر الأنماط التقليدية. والمواجهة القادمة ليست خيالاً، بل هي نتاج طبيعي لكيان لا يعرف الحدود، وقوى إقليمية لن تقبل بالانكسار.