تفكيك الروابط الجامعة: الاستثمار الصهيوني في شروخ الهوية والحروب السيبرانية
كيف يستثمر الاحتلال الصهيوني في شروخ الهوية والحروب السيبرانية لتفكيك الرابطة الحضارية والعروبة والإسلام عبر الذباب الإلكتروني وتزييف الوعي؟
بقلم:د. علاء أبوعامر
هل يمكن اعتبار توقيت وحجم الدعاية الموجهة ضد الهوية الثقافية والوجود العربي في شمال أفريقيا مجرد مصادفة عابرة في فضاء رقمي مفتوح؟
وهل تبدو الحملات الإلكترونية المنسقة التي تستهدف تزييف التاريخ الفلسطيني، والتشكيك في أصالة تراثه، وتبني السرديات الاستعمارية الإحلالية تحت مسميات وإحداثيات إقليمية ضيقة، نتاج تفاعلات عفوية؟
وما تفسير هذا التجييش الرقمي والممنهج للدفاع عن خيارات سياسية وأنظمة وُجهت لها اتهامات صريحة بالتماهي مع حرب الإبادة في غزة؟
وهل يقع إشعال النعرات الطائفية والقومية في المشرق، والدعوات الانعزالية للتحالف مع الكيان الصهيوني، في دائرة التناقضات الداخلية الفطرية، خاصة بعد أن تجاوز التشكيك والتشويه حدود العروبة السياسية ليصل إلى الإسلام بوصفه الحاضن الحضاري والموحد التاريخي لكل مكونات هذه الأمة؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات تضعنا أمام قراءة مركبة للمشهد الجيوسياسي والاتصالي الراهن. ورغم أن اختزال التحولات الاجتماعية والسياسية المعقدة في "عقلية المؤامرة" بمفهومها التبسيطي قد يعوق أحياناً فهم الديناميكيات الداخلية للمجتمعات، إلا أن القول بوجود مخططات غربية وصهيونية ممنهجة لتفتيت الأمة ليس رجماً بالغيب أو إغراقاً في الأوهام. بل هو واقع تسنده شواهد تاريخية واستراتيجيات موثقة تسعى لإدامة تفوق الاحتلال والهيمنة الغربية عبر تمزيق أي جبهة تضامن عربية أو إسلامية موحدة. إن هذه المشاريع الاستعمارية تظل، في التقييم الاستراتيجي التاريخي، أس البلاء والمحرك الأساسي لسياسات "فرق تسد" التي أُثقلت بها كاهل المنطقة عقوداً طويلة.
ومع ذلك، وحتى لو سلّمنا جدلياً بوجود أزمات بنيوية داخلية، أو احتقانات تاريخية مؤجلة في إدارة التنوع الثقافي، واللغوي، والقومي داخل المجتمعات العربية منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، فإن الدور الصهيوني وحلفاءه لا يقفون موقف المتفرج المحايد أمام هذه الشروخ. إن الاستراتيجية الصهيونية المعاصرة تعتمد بشكل حيوى وعضوي على "النفخ في نار" الخلافات البينية. وحيثما وُجد أي تباين عرقي، أو طائفي، أو مناطقي عفوياً، فإنه يتحول فوراً في مطابخ الدعاية الصهيونية والغربية إلى فرصة سانحة للاستثمار والتوظيف الإعلامي والرقمي لتوليد صراعات صفرية لا تنتهي.
عبر غرف التوجيه الإلكتروني، ومزارع الحسابات الوهمية (الذباب الإلكتروني) المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يتم تضخيم الأصوات الانعزالية والشاذة، وتحويل النقاشات الثقافية أو الفكرية المشروعة إلى معارك هوياتية وجودية دموية.
إن الهدف النهائي من هذا الاستثمار الخبيث في الخلافات ليس نصرة مكون ثقافي على آخر، أو الدفاع عن حقوق أقلية بعينها، بل إن غايته الكبرى هي تفكيك الرابطة الحضارية الجامعة (العروبة والإسلام) التي شكلت تاريخياً سداً منيعاً وعمقاً استراتيجياً أمام التمدد والهيمنة، واستبدالها بهويات هشة، ومجزأة، ومتناحرة يسهل اختراقها وإخضاعها للترتيبات الإقليمية والاقتصادية الجديدة.
وفي الختام، يظهر بوضوح أن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد سجالات رقمية عفوية، بل هي حرب وعي ومعلومات شاملة وممولة تسعى لتبديل الأولويات وحياكة وعي جمعي مشوه يرى في الشقيق عدواً وفي المستعمر حليفاً.
إن مواجهة هذه الحملات تقتضي وعياً شعبياً ونخبوياً يتجاوز الانفعال اللحظي؛ وعياً يدرك أن صيانة التنوع الثقافي الداخلي وحل الأزمات البينية يجب أن يتم في إطار المظلة الحضارية الجامعة وبأدوات وطنية خالصة، تفوت الفرصة على الكيان الصهيوني لاستغلال هذه الثغرات، وتؤكد مجدداً أن تفكيك شفرة المؤامرة يبدأ دائماً من تحصين الجبهات الداخلية وحماية الذاكرة التاريخية المشتركة.