الذاكرة المحفورة في الرمل: لماذا تخطئ الآثار قراءة جغرافيا الأنبياء
يقدم الدكتور علاء أبوعامر رؤية تحليلية حول فجوة الآثار وجغرافيا الأنبياء في فلسطين التاريخية، موضحاً أسباب القراءة الخاطئة للذاكرة الشفوية والهوية الوطنية
بقلم:د. علاء أبوعامر
من الغريب أن معظم الذين يتلقفون أطروحات "الجغرافيا التوراتية البديلة" ويرددونها بحماس جارف، لم يكلفوا أنفسهم يوماً مشقة فتح العهد القديم أو قراءة صفحة واحدة من أسفاره. ولو فعلوا، لوجدوا أن النص التوراتي يفيض بتفاصيل جغرافية دقيقة تكاد ترسم خريطة جوية لفلسطين التاريخية؛ بمدنها، وقراها، وحتى بتوزيعها العشائري والقبلي المفصل. إنها ذات التفاصيل التي يحاول الخطاب الصهيوني المعاصر تفكيكها عبر استراتيجية عزل المكونات الأصيلة للمجتمع الفلسطيني، كالدروز والمسيحيين والبدو، وتحويلهم إلى "قوميات" مصطنعة ومستقلة، بغرض نزعهم من هويتهم العربية الجامعة التي يتعمد هذا الخطاب اختزالها في المكون السني وحده. إن هذا التقسيم المعاصر ليس إلا امتداداً لقراءة مشوهة قديمة؛ فالأدومي والنبطي والقيداري والأدبيلي والثمودي والكنعاني لم يكونوا يوماً شعوباً منفصلة أو غريبة عن بعضها، بل هم في حقيقتهم شعب واحد ينتمي إلى أرومة حضارية واحدة، يتحدث لغة مشتركة ويعبر عن نفسه في مجتمعاته المحلية بلهجات وعشائر ومسميات مكانية، وهي ظاهرة سوسيولوجية ولسانية ما زالت حية ونابضة في بلاد الشام واليمن والمغرب العربي حتى يومنا هذا، ولم تتغير طبيعتها التاريخية إلا في مخيلة الخطاب الكنسي الغربي والصهيوني الذي تعمد تحويل هذه الفروع العشائرية والمحلية إلى "شعوب وإثنيات طارئة" لتبرير التفتيت البنيوي للمنطقة.
تتحدث النصوص القديمة، كسفر صفنيا مثلاً، عن كنعان بوصفها أرض الفلسطينيين بلا مواربة أو التواء. وتذكر غزة، وعسقلان، وأسدود، وعقرون، وجت، وتعرج على عكا، وبيت لحم, وحبرون، والسامرة، وشكيم، وأريحا، ومخماس، وجبع. كل شبر في هذه الجغرافيا مسجل بأسماء قبائل عرب الشمال لا الجنوب. لم يقل أحد يوماً إن فلسطين ليست أرض الأنبياء والرسالات السماوية، لكن الإشكالية الكبرى نشأت من الفجوة الملحوظة بين النص الديني واللقى الأثرية، مما دفع بعض الباحثين والهواة لاعتبار هذه القصص مجرد أساطير مختلقة. غير أن فهم الأسطورة في الأنثروبولوجيا لا يعني نفي الحدث التاريخي بالضرورة، بل يعني التوقف عند تضخيمه وصياغته بما لا يتناسب مع الجغرافيا الفوقية ولا مع وقائع التاريخ الأثري؛ لاسيما وأن الكثير من الوصف الطبوغرافي الوارد في المتون قد كُتب في المنفى والخارج (كأيام السبي البابلي)، فجاءت التضاريس والمسافات والحدود مضطربة ولا تتطابق تماماً مع الطبيعة الحقيقية على الأرض، بينما ظلت أسماء المدن جغرافياً ثابتة وراسخة في موضعها الفلسطيني.
وهنا يبرز الفارق الشاسع بين "التاريخ" بوصفه كتباً ومدونات ألفها أشخاص في زمن ما وفق رؤيتهم، وحساباتهم، وأدلجتهم الخاصة للأحداث لخدمة الحاكم أو مجمع الكهنة، وبين "الواقع الحقيقي" لتلك الأحداث. وحتى علم الآثار، الصارم بطبعه، يبقى قاصراً عن تقديم الحقيقة المطلقة ويعتريه الشك لسببين جوهريين: الأول أن الأرض لم تخرج بعد كل ما بداخلها، وما ننفيه اليوم عجزاً وقراراً متسرعاً قد تعثر عليه معاول المنقبين غداً. والسبب الثاني هو أحادية الرواية؛ فالتدوين الملكي القديم في بابل أو مصر، والذي يتباهى فيه ملك ما بانتصاراته ويسحق خصومه، لا يمكن اعتماده كحقيقة مطلقة دون الاستماع إلى وجهة نظر الطرف الآخر، وإذا لم نجدها يبقى تصورنا مبتوراً، وقاصراً، ومن طرف واحد.
إن جغرافيا الأنبياء محددة بوضوح قرآنيّاً وإنجيليّاً وتوراتيّاً، وهي نطاق ممتد يشمل شمال جزيرة العرب بما في ذلك سيناء، والنقب، وشرق الأردن، وفلسطين التاريخية حصراً. والمشترك بين هذه الكتب أن الأنبياء لم يكونوا ملوكاً لإمبراطوريات ثابتة ومستقرة ذات قلاع شاهقة وأرشيفات طينية ضخمة تنتظر المنقبين، بل كانوا في غالبهم أصحاب حياة رعوية تنقلية، يتحركون بخيامهم ومواشيهم في فضاءات مفتوحة. كان أرشيفهم الحقيقي هو صدورهم وما يحفظونه من الغيب، ومن الخطأ الفادح محاكمتهم بمعايير الملوك الباذخين ومحاسبتهم بسعرهم؛ فالنبي الحريص على تبليغ الرسالة لا يترك خلفه قصراً مسوراً أو جدارية تمجد بطولاته الشخصية ليقرأها علماء الآثار بعد آلاف السنين.
يتجلى هذا البُعد الشفوي بوضوح في مخطوطات البحر الميت، وأثناء تنزل وكتابة القرآن، وفي تعدد الأناجيل التي صيغت بطرق مختلفة وعبر قنوات نقل شفهية متعددة قبل تدوينها. بل إن الصراع الشهير بين الفريسيين والصدوقيين يلخص المشهد بأكمله؛ فقد كان الفريسيون يعتمدون على توراة شفهية كمرجع أسمى وأكثر مرونة، ولا يعتبرون التوراة المكتوبة الصدوقية مرجعاً وحيداً أو مقدساً بذاته. إن هذا الصراع يثبت أن النص في هذه المنطقة كان كائناً حياً يتحرك في الصدور والذاكرة قبل أن تأسره الأحبار على الجلود والرقوق.
تأسيساً على ذلك، فإن نفي وجود هؤلاء الأنبياء والتشكيك في تاريخية رسالاتهم لمجرد أننا لم نعثر على حجر يتحدث عنهم أو مسلة تحمل أسماءهم، هو إنكار متعسف لحقائق الذاكرة الجماعية الحية للمنطقة. إنها ذاكرة شفوية في الأساس، لم تكتب تاريخها بمداد السلاطين، بل حفظته في حكايا البشر، وتناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل كأمانة كبرى. إن عجز معول الأثري عن التقاط أثر خيمة نبي أو موطئ قدم راعٍ لا يعني أبداً عدم وجوده، بل يعني قصور الأدوات المادية عن الإحاطة بظاهرة روحية وتاريخية تجذرت في وجدان الأرض وسكانها الأصليين، وظلت عصية على المحو أو الاستبدال بجغرافيات متخيلة يصنعها العجز عن, القراءة.