جواهر متلألئة في عتمة الجحود: فلسطينيون بنوا المجد في أرض الأرز
اكتشف الدور العظيم والأثر البارز للفلسطينيين في بناء الاقتصاد والثقافة بلبنان ودعمهم للمؤسسات والصروح العلمية عبر التاريخ.
بقلم: د. علاء أبوعامر
في زاوية من زوايا الذاكرة العربية المنسية، خطّ القلم اللبناني الحر، طلال سلمان، شهادة للتاريخ والضمير، شهادة تعيد ترتيب ملامح الحقيقة التي غطّاها غبار التعتيم والإنكار. يقول سلمان في سطوره إن الكثيرين لا يتخيلون، بل ربما لا يريدون أن يتخيلوا، حجم الأثر العظيم والدور الباسق الذي لعبه وما زال يلعبه الفلسطينيون في عصب الاقتصاد اللبناني وبنيته الثقافية والاجتماعية. هناك، حيث غدا الفلسطيني في لبنان تحت مجهر غريب؛ إن زلّت به القدم أو أخطأ، تحولت خطيئته إلى فضيحة تملأ الآفاق ويشهد عليها القاصي والداني، أما إذا أبدع وأنجز وأشاد صروحاً، طُوّق إنجازه بصمت مريب وتكتم شديد، وكأن النجاح خطيئة لا يجوز إعلانها.
لكن الأرقام والحقائق لا تموت، بل تنطق حين يصمت البشر. تخبرنا السجلات وبحوث الراحل أن فلسطينيي لبنان المغتربين في الإمارات العربية المتحدة وحدهم، يضخون في شرايين الاقتصاد اللبناني ما يربو على ثلاثمئة وثمانية وستين مليون دولار سنوياً كتحويلات مالية تعيل عائلاتهم وتنعش الأسواق. وحين تطأ قدمك رحاب الجامعة الأمريكية العريقة في بيروت، تلك المنارة العلمية الشامخة، ستكتشف أن نسبة الخريجين والمبدعين من أبناء فلسطين تناهز بل وتفوق أحياناً أعداد زملائهم الآخرين. وفي مشهد مهيب داخل أروقة هذه الجامعة، تتجلى أسماء حفرت في جدار الريادة؛ هنا قاعة تحمل اسم طلال أبو غزالة، وهناك قاعة حسيب صباغ، وبجوارها قاعة كمال الشاعر. رجال أوفياء من عمق المعاناة الفلسطينية، تبرعوا بجهودهم وأموالهم الخاصة ليبنوا ويطوروا هذا الصرح التعليمي والوطني في قلب لبنان.
لم يكن العطاء الفلسطيني مجرد أرقام وأموال، بل كان روحاً سرت في مفاصل الثقافة والإبداع. ففي النقد الأدبي بزغ نجم الدكتور محمد يوسف نجم والدكتور إحسان عباس ليرسما ملامح الفكر الحديث. وفي فضاء الإذاعة والإعلام، صدحت حناجر وقامات فلسطينية أسست للوعي والجمال، مثل كامل قسطندي، غانم الدجاني، صبحي أبو لغد، ناهدة فضلي الدجاني، عبد المجيد أبو لبن، شريف العلمي، ورشاد البيبي. حتى إن الفضل الأكبر في انطلاق الحركة المسرحية ومهرجانات بعلبك الدولية، واليد البيضاء التي رعت عبقرية الأخوين رحباني، كانت تعود لعراب الفن الأستاذ صبري الشريف.
امتدت هذه البصمات لتطال علم الآثار بريادة ديمتري برامكي مدير متحف الجامعة الأمريكية، والعلوم والرياضيات بفضل جميل علي وسالم خميس وعبد الملك الناشف ووصفي حجاب. ومن عتمة الشتات ولد رواد الفكر القاموسي ورسم الخرائط، وأول من أطلق فكرة مدارس اللغات، وصولاً إلى تولي الدكتور الفلسطيني إبراهيم السلطي رئاسة الجامعة الأمريكية كأول رئيس عربي مقيم لها. وفي عالم الموسيقى والتربية والرقص الشعبي، تجد أسماء لا يمكن للتاريخ اللبناني أن يتجاوزها؛ من حليم الرومي وابنته ماجدة، إلى الأخوة السلفيتي، وسليم سحاب، وعبود عبد العال، ومروان ووديعة حداد جرار، والبروفيسور الصادق عمر وغيرهم الكثير، ممن كانوا منارة في التعليم والتربية.
إن كل ما تقدم ليس سوى غيض من فيض دفقٍ نبع من قلوب لاجئين حوّلوا اللجوء إلى ملحمة بناء. لقد أثبتوا عبر العقود أنهم ليسوا عبئاً على الأرض التي استضافتهم، بل هم "جوهرة الشرق الأوسط" التي صُقلت بنيران المأساة، فأضاءت بنور علمها وعرق بنيها عتمة الليالي القاسية، تاركة بصمة أبدية في تاريخ وجدان لبنان والعروبة جمعاء.
المصدر: يلا نيوز نت
تاريخ النشر: 17/08/2026