عقيدة الدولة المتيبسة: لماذا لن تغير صناديق الاقتراع الألمانية وجه غزة؟

لماذا لن تغير الانتخابات الألمانية وجه غزة، وكيف تحكم عقيدة أمن إسرائيل السياسة الخارجية لبرلين بغض النظر عن نتائج صناديق الاقتراع.

عقيدة الدولة المتيبسة: لماذا لن تغير صناديق الاقتراع الألمانية وجه غزة؟
عقيدة الدولة المتيبسة: لماذا لن تغير صناديق الاقتراع الألمانية وجه غزة؟

بقلم:د.علاء أبوعامر 

تترقب الأوساط السياسية الدولية نتائج الانتخابات الألمانية بشغف المراهن على التغيير، علّ تحولاً في الخريطة الحزبية داخل البوندستاغ يكسر الصمت المخزي لبرلين، أو يضع حداً للاندفاع بلا حدود خلف الصهيونية. لكن هذا الترقب يصطدم بركيزة صلبة تشكل جوهر السلوك السياسي الألماني، ركيزة تجعل من نتائج الاقتراع مجرد إعادة توزيع للمناصب والوزارات، بينما تتوحد الإرادة الرسمية عند حماية السياسات الصهيونية مهما بلغت بشاعتها وتجاوزت الخطوط الحمراء للإنسانية.

ينطلق الموقف المؤسسي لألمانيا من مقولة استقرت في أعراف الحكم هناك، ومفادها أن أمن الكيان الصهيوني هو "مصلحة عليا للدولة". هذه العقيدة جرى تحويلها عبر العقود —من التكفير عن أهوال المحرقة— إلى مظلة حماية مطلقة تُمنح للحكومات الصهيونية المتعاقبة. وهنا يبرز التناقض القانوني والأخلاقي الأكبر؛ إذ تحول درس المحرقة الداعي لمنع الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، إلى استثناء سياسي يمنح جهة بعينها حصانة كاملة لتنفيذ أعمال التطهير العرقي والإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وصولاً إلى العدوان المفتوح في لبنان وسوريا.

عند تفكيك الخريطة الحزبية، تتجلى طبيعة التمايزات بين الأطراف المتنافسة على النحو التالي:

ينشط التحالف المحافظ بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحليفه البافاري في قيادة التوجه الأكثر راديكالية وشراسة دفاعاً عن الصهيونية؛ إذ يرى رئيسه أن الالتزام بتقديم الدعم العسكري والسياسي لتل أبيب واجب لا يخضع للمساومة، وذهب إلى حد المطالبة بإجراءات عقابية صارمة ضد أي نقد للسياسات الصهيونية داخل ألمانيا. وعلى النحو ذاته، يمارس الحزب الاشتراكي الديمقراطي نفس الالتزام الهيكلي بحماية الكيان، وإن حاول أحياناً إضفاء نبرة دبلوماسية خافتة تطالب بتسهيل المساعدات، دون أن تترجم هذه النبرة إلى خطوة عملية لقطع السلاح أو معاقبة حكومة الاحتلال.

أما حزب الخضر، فقد شهد تحولاً مثيراً للانتباه؛ إذ تخلت قياداته عن الأدبيات التاريخية المطالبة بالسلام وحقوق الإنسان، واستبدلت بها خطاباً يبرر العمليات العسكرية الصهيونية بذرائع "الدفاع عن النفس"، مكتفياً بدعوات خجولة ومطالبات بيروقراطية باحترام القانون الدولي الإنساني أثناء إبادة المدنيين، مما يجعله شريكاً أيديولوجياً في التغطية على الجرائم.

وعلى طرفي الاستقطاب المشدود، يبرز تمايز لافت؛ إذ يتبنى حزب اليسار المتطرف (لينكه) الموقف الأكثر صرامة ووضوحاً في مناهضة العدوان، عبر مطالبته الصريحة بوقف كلي وفوري لتصدير الأسلحة، وتوصيف الجرائم في غزة بأبعادها القانونية كإبادة جماعية وتطهير عرقي، وتفكيك بنية التواطؤ الألماني. غير أن هذا الموقف الحقوقي يصطدم بجدار من العزل السياسي والتهميش البرلماني الذي يمارسه الإجماع الحاكم لمنعه من التأثير في القرار السيادي.

في المقابل، يقف حزب البديل من أجل ألمانيا (اليميني المتطرف) على أرضية معقدة وشديدة الانفصام؛ فهو من جهة يُبدي علناً تضامناً مع الصهيونية كوسيلة لشرعنة نفسه سياسياً وتنظيف تاريخه من اتهامات معاداة السامية، ولتقاطع أيديولوجيته مع الخطاب المناهض للإسلام. ومن جهة أخرى، تدعو بعض أجنحته إلى وقف الانخراط في الصراعات الخارجية ومنع صادرات السلاح بناءً على منطق انعزالي وقومي بحت يرفع شعار "ألمانيا أولاً"، دون أن تنطلق هذه الدعوات من صحوة أخلاقية أو تعاطف مع الضحايا الفلسطينيين.

من الناحية القانونية الدولية، تتجاهل الدولة الألمانية بمختلف أطيافها الحاكمة التزاماتها المباشرة المترتبة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية المعترف بها دولياً والمعاهدات الدولية لتقييد تجارة الأسلحة. إن التزويد المستمر بالعتاد والتغطية السياسية يشكلان مشاركة قانونية موثقة في الجرائم ضد الإنسانية. وعلى الرغم من الملاحقات القضائية التي واجهتها برلين أمام المحاكم الدولية لكسر هذا التواطؤ، إلا أن المؤسسة السياسية لا تزال تفضل الانصياع لمعادلة الحصانة التاريخية للصهيونية على حساب مبادئ العدالة الشاملة.

تثبت التوازنات النيابية أن الانتخابات الألمانية ليست سوى عملية إعادة تنظيم داخلي لآليات الحكم، بينما تظل السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط محكومة بعقيدة متيبسة تُغلّب اعتبارات "التكفير التاريخي" الفئوي على تطابق القيم؛ لتظل برلين شريكاً صامتاً ومباشراً في جريمة الإبادة والتطهير العرقي، بغض النظر عن هوية القاطن في مقر المستشارية.