من إدارة الانقسام إلى إعادة هندسة حماس ... حين يصبح الفصيل فوق الوطن
يستعرض الكاتب د. عبد الرحيم جاموس جذور الانقسام الفلسطيني وتداعياته المستمرة، مسلطاً الضوء على تقاطع المصالح بين سياسات اليمين الإسرائيلي وبقاء سلطة حماس في غزة. كما يناقش خطورة تحويل الفصائل إلى مقدسات تلغي التفكير النقدي، ويحذر من مخاطر انتقال تقرير مصير القضية الفلسطينية من احتكار الفصائل إلى الوصاية الخارجية في مرحلة ما بعد الحرب.
بقلم د. عبد الرحيم جاموس
ليست المعضلة الفلسطينية وليدة السابع من أكتوبر 2023، وإن كان ذلك اليوم قد فتح فصلًا بالغ القسوة من المأساة الفلسطينية.
جذور المأزق أقدم بكثير؛ تعود إلى انقسام الحركة الوطنية، وإلى انتقال الخلاف من التنافس السياسي إلى الصراع على السلطة، ثم إلى الانقسام الجغرافي والمؤسسي الذي كرّسته سيطرة حماس المسلحة على قطاع غزة في يونيو/حزيران 2007.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد الفلسطينيون يواجهون احتلالًا واحدًا، بل أصبحوا يواجهون أيضًا انقسامًا فلسطينيًا استُثمر إسرائيليًا إلى أبعد الحدود.
لا أحد يستطيع إنكار حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، كما لا يجوز إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها التاريخية والقانونية والسياسية عن الاحتلال والاستيطان والحصار والحروب. لكن الاعتراف بحق المقاومة لا يمنح أي فصيل حصانة من النقد والمساءلة، ولا يحوّل كل قرار عسكري إلى إنجاز وطني لمجرد أنه رُفع تحت شعار المقاومة.
المعيار الحقيقي هو الحصيلة الوطنية.
ماذا حققت الاستراتيجية؟ هل وحّدت الشعب؟ هل حافظت على أرضه؟ هل قربته من الاستقلال؟ هل وسّعت دائرة التأييد الدولي؟ وهل حولت القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية تعزز المشروع الوطني؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا عند مراجعة تجربة حماس منذ أواخر الثمانينيات، مرورًا بمعارضتها لمسار أوسلو، ثم دخولها الانتخابات عام 2006، وصولًا إلى الحسم العسكري في غزة عام 2007، وما تلاه من جولات حرب وحصار وانقسام.
لقد أصبح وجود سلطتين ومشروعين سياسيين فلسطينيين متوازيين حقيقة ممتدة لما يقارب عقدين.
ولم يكن هذا الانقسام عبئًا على الفلسطينيين وحدهم؛ فقد كان له، موضوعيًا، أثر بالغ في إضعاف فكرة التمثيل الوطني الموحد، وفي توفير الذريعة للإسرائيليين للقول بعدم وجود شريك فلسطيني واحد يمكن التوصل معه إلى تسوية.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر جرأة في قراءة سياسة بنيامين نتنياهو.
فقد سمحت حكوماته، منذ 2018، بانتقال الأموال القطرية إلى غزة، في إطار سياسة كان يُنظر إليها إسرائيليًا باعتبارها وسيلة للحفاظ على الهدوء ومنع الانهيار الإنساني، لكنها ساهمت في الوقت نفسه في إبقاء حكومة حماس في غزة قادرة على الاستمرار. وفي عام 2019 دافع نتنياهو علنًا عن استمرار التمويل القطري، بينما نُقلت عنه لاحقًا تصريحات تفيد بأن تقوية حماس وإبقاء الفلسطينيين منقسمين يخدمان هدف منع قيام دولة فلسطينية.
وهذا لا يعني، كما يحلو لبعض الخطابات التبسيطية القول، إن «إسرائيل صنعت حماس» أو أن حماس كانت مجرد أداة إسرائيلية؛ فهذا استنتاج أكبر من الوقائع المتاحة.
الأدق أن نقول إن الطرفين، رغم العداء والحرب بينهما، دخلا في حالة من تقاطع المصالح البنيوية: حماس استفادت من بقاء سلطتها المنفردة في غزة، وإسرائيل استفادت من استمرار الانقسام ومن وجود سلطة فلسطينية منفصلة يمكن استخدامها لإضعاف المسار الوطني الموحد.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية المؤلمة.
فحماس التي رفعت شعار إسقاط مسار التسوية، وجدت نفسها ــ شاءت أم أبت ــ جزءًا من بيئة سياسية ساعدت اليمين الإسرائيلي على التهرب من استحقاقات التسوية وإضعاف السلطة الفلسطينية والمشروع الوطني الجامع.
وفي المقابل، كان اليمين الإسرائيلي يتعامل مع وجود حماس باعتباره واقعًا يمكن إدارته واحتواؤه، بدلًا من العمل الجاد على إنهاء الانقسام وبناء مسار سياسي فلسطيني موحد.
حتى قبل السابع من أكتوبر، ظهرت داخل إسرائيل مراجعات حادة لهذه السياسة؛ فقد خلص تقرير للشاباك في 2025 إلى أن سياسة «الهدوء» تجاه حماس سمحت لها بتعزيز قدراتها، بما أسهم في تهيئة الظروف لهجوم 7 أكتوبر.
ثم جاءت الكارثة.
لا يمكن اختزال مسؤولية الحرب والدمار في حماس وحدها، ولا يجوز تحويل جرائم الاحتلال إلى نتيجة آلية لقرار فلسطيني.
لكن من حق الشعب الفلسطيني، بل من واجبه، أن يسأل قياداته وفصائله: هل كان قرار 7 أكتوبر جزءًا من استراتيجية وطنية فلسطينية أم قرارًا فصائليًا منفردًا؟
وهل كانت القيادة التي اتخذته تملك خطة سياسية لإدارة نتائجه؟
والأخطر من ذلك: لماذا يتحول هذا السؤال لدى بعض أنصار حماس إلى خيانة؟
هنا نصل إلى جوهر الأزمة التي نعيشها في الداخل الفلسطيني: أزمة الوعي قبل أزمة السياسة.
حين يصبح الفصيل مقدسًا، يصبح نقده خيانة. وحين تصبح المقاومة عقيدة مغلقة، يصبح السؤال عن نتائجها ممنوعًا. وحين يصبح الولاء التنظيمي أهم من المصلحة الوطنية، يصبح الإنسان مستعدًا لتبرير الكارثة ما دام الفصيل الذي ينتمي إليه هو الذي ارتكبها.
وهذا هو معنى «القطيع» الذي ينبغي أن نفهمه: ليس إهانة للناس، وإنما وصف لحالة سياسية يفقد فيها الإنسان استقلاله العقلي، ويتحول من مواطن يسأل ويحاسب إلى تابع يبرر ويهتف.
لكن هذا المرض ليس حكرًا على أنصار حماس؛ فهو يصيب كل فلسطيني يجعل فصيله فوق فلسطين، وكل من يبرر أخطاء جماعته ويرى أخطاء الآخرين فقط، وكل من يستبدل التفكير النقدي بالتقديس.
واليوم نصل إلى مرحلة جديدة أكثر خطورة.
فالمسألة لم تعد فقط: هل تبقى حماس أم لا؟
بل: أي حماس يريدها النظام الإقليمي والدولي لما بعد الحرب؟ وأي دور ستُمنح لها؟
فخطة «مجلس السلام» التي تقودها إدارة ترامب تتجه إلى نزع سلاح حماس، وإنشاء ترتيبات انتقالية لإدارة غزة، وقوة استقرار دولية، وإعادة الإعمار. والنص المنشور للخطة ينص صراحة على ألا يكون لحماس أو الفصائل المسلحة دور في حكم غزة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي المقابل، قبلت حماس في يوليو 2026 مبدأ خريطة طريق تتضمن مسارًا لنزع السلاح، لكنها ربطت تنفيذه بانسحاب إسرائيل والتقدم في إعادة الإعمار، بينما يصر نتنياهو حتى الآن على نزع سلاحها أولًا قبل الانسحاب وإعادة الإعمار.
وهنا تظهر المفارقة الجديدة: حماس التي كان وجودها المسلح يُستخدم سابقًا لتبرير استمرار الاحتلال والانقسام، أصبحت اليوم موضوعًا لإعادة هندسة سياسية وأمنية كاملة.
وقد لا يكون الهدف الإسرائيلي بالضرورة القضاء على كل أثر لحماس، بل القضاء على قدرتها العسكرية والسيادية المستقلة، وإعادة تحديد وظيفتها ومكانتها داخل ترتيبات جديدة لا تسمح لها بأن تتحول إلى مركز قرار فلسطيني مستقل.
وهذه، حتى الآن، قراءة سياسية لمسار الأحداث وليست حقيقة مكتملة؛ خصوصًا أن المفاوضات نفسها ما زالت متعثرة بسبب الخلاف على ترتيب نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي.
وهنا ينبغي أن ينتبه الفلسطينيون إلى الخطر الأكبر:
لا يجوز أن تنتقل القضية من احتكار الفصائل للقرار إلى احتكار الأطراف الخارجية لإعادة تشكيل القرار الفلسطيني.
فالمطلوب ليس استبدال حماس بترتيب خارجي، ولا استبدال انقسام بانقسام جديد، ولا تحويل غزة إلى ملف أمني وإنساني منفصل عن الضفة والقدس والشتات.
المطلوب إعادة القضية إلى أصلها: شعب فلسطيني واحد، وأرض فلسطينية واحدة، وقرار وطني واحد، ومشروع سياسي واحد، وسلطة وطنية شرعية واحدة، ومقاومة تخضع للاستراتيجية الوطنية لا العكس ، بأن ينفرد اي فصيل في قراره .
لقد آن الأوان لأن نخرج من ثقافة تقديس الفصائل إلى ثقافة محاسبتها، ومن سؤال «من انتصر؟» إلى سؤال «ماذا بقي لفلسطين؟».
فلا حماس أكبر من فلسطين، ولا فتح أكبر من فلسطين، ولا السلطة أكبر من فلسطين، ولا أي قائد أو تنظيم أكبر من الشعب.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذه الدماء والدمار أن نخرج من الحرب بإعادة إنتاج الأسباب نفسها التي أوصلتنا إليها.
وإذا كان نتنياهو قد نجح طوال سنوات في الاستثمار في الانقسام الفلسطيني، فإن الرد الوطني لا يكون بتبرير الانقسام، ولا بتقديس الفصيل، ولا بتسليم القرار للخارج.
الرد الحقيقي هو أن نستعيد فلسطين من الفصائلية، وأن نستعيد السياسة من الشعارات، وأن نستعيد الإنسان الفلسطيني من القطيع.
فحين يصبح الفصيل فوق الوطن، يصبح الوطن هو الخاسر. وحين يستعيد المواطن حقه في السؤال والمحاسبة، تبدأ أولى خطوات استعادة الوطن.
د. عبد الرحيم محمود جاموس
20/8/2026 م