أرض الغمام والزيتون: فلسطين في الوجدان الخرائطي الأوروبي

مقال تحليلي للدكتور علاء أبوعامر يستعرض الحضور التاريخي والجغرافي العميق لاسم فلسطين في الخرائط الأوروبية القديمة وكتب الرحالة والمستشرقين قبل عصر الاستعمار.

أرض الغمام والزيتون: فلسطين في الوجدان الخرائطي الأوروبي
أرض الغمام والزيتون: فلسطين في الوجدان الخرائطي الأوروبي

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في عتمة العصور الوسطى وبواكير عصر النهضة، حين كان الجغرافيّ الأوروبي يجلس وراء طاولته الخشبية في أمستردام أو باريس، يمسك بريشته ليخطّ معالم العالم، لم تكن تلوح في أفق مخيلته حدودٌ لـ "سايكس" ولا خطوطٌ لـ "بيكو". كانت هناك جغرافيا واحدة، تنبض بالقداسة والتاريخ، تُملي على الحبر مساره؛ جغرافيا اسمها "فلسطين". ولم يكن هذا الاسم مجرد توصيف سياسي عابر أو كيان مستحدث، بل كان حقيقةً صلبة كصخور جبال نابلس، وضاربة في القدم كجذور زيتون الجليل، حتى تلازم في الوعي الغربي ترادفٌ غريب؛ فكلما ذكروا "الأرض المقدسة" (Terra Sancta)، سطروا إلى جوارها، كشرحٍ لا يقبل اللبس، اسم "فلسطين" (Palaestina).

لم تكن "الأرض المقدسة" في الوعي الأوروبي مجرد فكرة لاهوتية معلقة في السماء، بل كانت لها تضاريس، وحدود، وناس. وحين شرع كبار رسامي الخرائط في القرنين السابع عشر والثامن عشر، من أمثال فريدريك دي ويت وتوبياس مير، في رسم ملامح هذه الأرض، لم يجدوا بداً من زاوج اللفظين؛ فصارت العناوين الكلاسيكية للخرائط تُقرأ "Palaestina vel Terra Sancta" (فلسطين أو الأرض المقدسة). كانت فلسطين هي الجسد الجغرافي الحسي، وكانت القداسة هي الروح الثقافية والروحية التي تسكن هذا الجسد. هذا التلازم التاريخي يفند كل الادعاءات التي تزعم أن فلسطين هوية ولدت في دهاليز الاستعمار الحديث، بل إن الاستعمار حين جاء، وجد الاسم منقوشاً على جدران الزمان وفي ثنايا الخرائط التي سبقت مدافعه بقرون.

ولم يقتصر الأمر على الخطوط المرسومة بالألوان، بل فاضت به محابر الرحالة والمستشرقين الذين جابوا قراها ومدنها في العهد العثماني. كان السائح الغربي يرحل ليعاين "مهد الرسالات"، لكنه في مذكراته كان يكتب عن حقول القمح في مرج ابن عامر، وعن صمود أسوار عكا، وعن طيبة أهل هذه الأرض الذين ارتبطت أسماؤهم وعاداتهم بترابها. لقد أدرك الوعي الأوروبي مبكراً أن هذه الرقعة الممتدة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط هي وحدة حضارية وجغرافية متماسكة، تملك مشروعية وجود تاريخية تتجاوز بكثير أي تقسيمات إدارية مؤقتة.

إن استقراء الخرائط والأدبيات الأوروبية القديمة يعيد ترتيب الحقائق كما هي؛ فلسطين لم تكن يوماً صنيعة اتفاقيات دولية في القرن العشرين، بل هي جغرافيا أزلية عبرت العصور محتفظة بملامحها واسمها. وإذا كان الوجدان الإسلامي قد كرم أهلها برباط القداسة ونسبهم إلى "بيت المقدس"، فإن الوعي الإنساني والغربي قد وثّقها في خرائطه كحقيقة أبدية. ستبقى الهوية الفلسطينية، بجذورها الكنعانية الممتدة وثوبها الجغرافي الأصيل، عصية على المحو، وشاهدة على أن خطوط الاستعمار زائلة، بينما وجه الأرض الحقيقي باقٍ لا يتغير.