رجاء بن حيوة الفلسطيني وهندسة الهوية البصرية الإسلامية

اكتشف كيف أسس العالم الفلسطيني رجاء بن حيوة لهندسة الهوية البصرية الإسلامية من خلال تصميم قبة الصخرة المشرفة واستلهام الرموز الكنعانية العريقة.

رجاء بن حيوة الفلسطيني وهندسة الهوية البصرية الإسلامية
رجاء بن حيوة الفلسطيني وهندسة الهوية البصرية الإسلامية

مقدمة في جذور العمارة الإسلامية

كانت خيوط الشمس الأولى تتهادى فوق تلال بيسان، منسابة برفق نحو سهولها الخصيبة المحملة بأنفاس التاريخ ومواطن قبيلة كندة العريقة. في تلك الأجواء المستكينة، نشأ رجاء بن حيوة الكندي، مستوعباً من حواضر فلسطين عبق الحضارات الإنسانية المتلاحقة. لم يكن رجاء مجرد فقيه يرتل آيات الله في المحاريب، أو مستشاراً سياسياً يصغي إليه خلفاء بني أمية في دمشق، بل كان يحمل في وجدانه رؤية بصرية وفلسفة هندسية صامتة، تنتظر اللحظة التاريخية الفارقة لتعلن عن نفسها وتغير وجه العمارة في العالم إلى الأبد.

تكليف عبد الملك بن مروان وتأسيس الصرح العظيم

جاء النداء من دمشق، حيث اعتلى الخليفة عبد الملك بن مروان سدة الخلافة. كانت الدولة الفتية تبحث عن لغة بصرية خاصة بها، لغة تترجم كبرياء العقيدة الجديدة في مواجهة الآثار البيزنطية والساسانية الباذخة التي كانت تطوق حواضر الشام والعراق. لم يجد الخليفة خيراً من ابن بيسان وعالمها رجاء بن حيوة، ليقلده الأمانة الكبرى: الإشراف الكامل على بناء قبة الصخرة المشرفة في بيت المقدس، وتفويضه في إدارة خراج مصر لسبع سنوات لإنفاقها على هذا الصرح العظيم.

فلسفة البناء واستلهام الموروث الكنعاني

وقف رجاء على تلة المورَّيا بالقدس، ممسكاً بيده خطط البناء رفقة معاونه المهندس المقدسي يزيد بن سلام. لم تكن الصخرة مجرد حجر أصم في نظره، بل كانت محور الكون الذي يجب أن تدور حوله العمارة في حلقات من النور والسكينة.

أمضى رجاء الليالي يتأمل المساحات والخطوط، باحثاً عن جوهر الهوية البصرية للأرض التي يقف عليها. لم يكن بحاجة إلى استيراد نماذج غريبة؛ فقد كانت الإجابة تسكن تفاصيل الذاكرة الجمعية لفلسطين. استدعى رجاء في مخيلته النجمة المثمنة، ذلك الرمز الكنعاني الأصيل الذي طالما اتخذه الأجداد الأوائل رمزاً للنماء والتوازن وجوانب الأرض، والذي استقر لقرون خيطاً حريرياً ناظماً في تطريز الأثواب الفلسطينية التقليدية، مناجياً قبات الصدور وبنايق الأثواب في الخليل ورام الله ويافا وغزة تحت مسمى عرق الوردة. وهو الرمز ذاته الذي تداخل مع الموروث المسيحي الفصيح في الفضاء الفلسطيني ليغدو نجمة بيت لحم الهادية، التي صاغتها أنامل النساء التلحميات بقطبة التحرير والقصب على ثوب الملك والتقصيرة.

من هذا المخزون الحضاري الممتد، اهتدى رجاء بعبقريته إلى المخطط المثمن الفريد قبة الصخرة. جعل المربعات الهندسية تتقاطع لتشكل النجمة الثمانية الكنعانية المحيطة بالصخرة إحاطة الهالة بالقمر، محولاً غرزة التطريز في أثواب النساء إلى فلسفة معمارية صرحية ناطقة. ولكي يضمن نجاح التصميم، بنى أولاً مجسماً مصغراً عُرف بـ قبة السلسلة ليكون مختبراً هندسياً حياً يعاين فيه حركة الضوء وتوازن الأحمال. وعندما بدأ البناء الكبير، تضافرت عبقرية التصميم مع سحر الزخرفة؛ فاستبدل رجاء الكائنات الحية والتماثيل بنقوش نباتية مورقة تسبح في بحر من الفسيفساء الذهبية والزرقاء، مكللاً المبنى بآيات من القرآن الكريم بالخط الكوفي الفصيح، ليتداخل الحرف العربي مع العمارة لأول مرة في تاريخ الفنون.

امتداد الأثر المعماري في الحواضر الإسلامية والعالمية

حين كُشف الستار عن القبة، ذُهلت حواضر الإسلام بجمالها وعمق فلسفتها، وسرعان ما تحولت تصاميم رجاء بن حيوة إلى مرجعية ملهمة واقتدت بها المدن العربية والإسلامية الأخرى. في دمشق، اتجهت الأنظار فوراً إلى بناء المسجد الأموي الكبير، فاقتبست عمارته ذات الروح الزخرفية القائمة على التوريق والفسيفساء النباتية المذهبة، متخلية تماماً عن التصاوير الآدمية تماشياً مع المدرسة البصرية التي أسسها رجاء في القدس.

ولم يقف التأثير عند حدود الشام؛ ففي بغداد الدائرية التي بناها أبو جعفر المنصور، استُلهمت فكرة المركزية الهندسية التي تجلت في قبة الصخرة لتصبح رمزاً لهيبة الدولة. وفي مصر، اقتبس مسجد أحمد بن طولون نظام الأروقة وتوزيع الإضاءة الطبيعية المأوخذ من فضاءات القدس. حتى في الأناضول، تبنت الدولة السلجوقية في مدنها مثل قونية تلك النجمة الثمانية الناتجة عن مخطط قبة الصخرة وجذورها الكنعانية، وجعلت منها شعاراً رسمياً يزين واجهات مساجدها ومدارسها وقصورها. وامتد هذا الخيط الإبداعي غرباً ليتجلى في الزليج الفاسي بالمغرب وفي زخارف قصر الحمراء بغرناطة الأندلسية، لتصبح تصاميم ابن بيسان الفلسطينية الأب الشرعي للهوية البصرية الإسلامية عبر العصور.

إعلان الاستقلال الثقافي وخاتمة العبقرية

إن عمارة قبة الصخرة المشرفة، التي صاغ تفاصيلها وهندس أبعادها رجاء بن حيوة الكندي، لم تكن مجرد إنجاز إنشائي محدود بزمانه ومكانه، بل كانت بمثابة إعلان استقلال ثقافي وفني للدولة الإسلامية في مطلع عهدها. لقد نجح هذا العالم الفلسطيني في صهر الموروثات الهندسية الشامية وتنقيتها من الرموز الوثنية، معتمداً على أصالة الرمز الكنعاني المتمثل في النجمة المثمنة، ليخلق فضاءً معمارياً يتسم بالروحانية المطلقة والاتزان الرياضي المعقد الذي يربط الأرض بالسماء، تماماً كما ربطت نجمة بيت لحم وجدان الرعاة بمغارة الميلاد.

يتضح من الاستقراء التاريخي أن القيمة الإلهامية لتصاميم رجاء تجاوزت حدود المدن العربية والإسلامية لتخترق الثقافة الغربية ذاتها؛ فعندما دخل فرسان الهيكل إلى القدس، بهرهم هذا البناء المثمن وظنوا خطأً أنه هيكل سليمان، فنقلوا هذا المخطط الهيكلي الدائري والمثمن النابع من رمزية النجمة إلى أوروبا، وبنوا على غراره كنيسة المعبد في لندن والعديد من الكنائس المستديرة في إيطاليا وفرنسا.

ويبقى رجاء بن حيوة، ابن مدينة بيسان العريقة، نموذجاً فريداً للمثقف المسلم الشامل الذي جمع بين فقه النص وفقه الفضاء، مستلهماً ثقافة أرضه وهويتها الكنعانية المطرَّزة، وتاركاً وراءه صرحاً لا يزال بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً يمثل قلب القدس النابض وعنواناً خالداً للعبقرية المعمارية الإسلامية التي اقتدت بها الحواضر من شرق الأرض إلى غربها.

المصادر

١. ابن خلكان، أحمد بن محمد، ألف وتسعمائة وسبعة وسبعون. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار صادر.

٢. الطبري، محمد بن جرير، ألف وتسعمائة وسبعة وستون. تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف.

٣. العسلي، كامل، ألف وتسعمائة وواحد وثمانون. أجدادنا في أكناف بيت المقدس: دراسات في تاريخ القدس وفلسطين. عمان: دار المطبوعات والنشريات.

٤. العش، محمد أبو الفرج، ألف وتسعمائة واثنان وثمانون. الفن الإسلامي وعمارته في العصر الأموي. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي.

٥. المبيض، سليم، ألف وتسعمائة وتسعة وثمانون. الرمزية في التراث الشعبي الفلسطيني. غزة: مطبعة منصور.

٦. المقادسي، محمد بن أحمد، ألف وتسعمائة وستة. أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. ليدن: مطبعة بريل.

٧. النعيمي، أحمد، ألفين وخمسة عشر. العبقرية المعمارية في قبة الصخرة: الأبعاد الهندسية والزخرفية. عمان: دار الفكر للنشر والتوزيع.

٨. كايد، مها، ألفين وعشرة. أثواب فلسطين: دراسة في التطريز والرموز الكنعانية القديمة. رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية.