أجنحة من ورق.. ركام من حجر
مقالة تسلط الضوء على صمود أطفال غزة من خلال الطائرات الورقية وسط الأنقاض وتحديهم لوعيد الدمار.
بقلم: د. علاء أبوعامر
عادت سماوات غزة تفتح ذراعيها لزرقة باهتة، بعد أن انقشعت غيوم البارود لتترك خلفها مشهداً لا يشبه سوى نهاية العالم. الخطوط الأفقية للمدينة غابت تماماً، وحلّت محلها تلال من الأسمنت الرمادي، وحديد ملتف كأطراف وحوش ميتة. بين هذا الخراب الممتد، حيث لا جدران تستر الحكايات ولا نوافذ تحرس الأسرار، نمت حركة خفيفة؛ خطوات صغيرة تحبو فوق الشظايا، وأصابع غضة تجمع بقايا الدفاتر الممزقة، وأكياس البلاستيك الملونة، وخيوطاً نجت بأعجوبة من الحريق.
لم يكن في الأفق سوى الفراغ، لكن الصغار قرروا ملأه. غزلوا من اللاشيء أجنحة، وربطوا بها أحلاماً لم تتسع لها الأرض الضيقة. هكذا ولدت الطائرات الورقية؛ كائنات هشة من ورق وخشب خفيف، لكنها تحمل في طياتها عناداً يفوق صلابة الصخر. ارتفعت عالياً، تتراقص مع الريح الصاعدة من بحر المدينة، تلون السماء الرمادية ببريق غاب طويلاً، وتعلن بزهو طفولي أن الفرح ممكن، حتى وإن كان معلقاً بخيط واهن.
لكن هذا التحليق البريء سرعان ما اصطدم بصدى وعيد غاضب يتردد خلف الأسلاك الشائكة. جاء التهديد ثقيلاً ومتوعداً: "إن عادت تلك الأجنحة لتداعب الهواء، سيمتد الدمار إلى ما وراء الدمار، ولن يجد الركام مكاناً ليسقط فيه". بدت المفارقة موغلة في القسوة؛ ترسانة مدججة بأحدث وسائل الفتك والاستشعار، تضيق ذرعاً بقطعة ورق تطير في المدى، وترى في لهو الأطفال خطراً استراتيجياً يستدعي سحق ما تبقى من الحياة. إنه منطق القوة العمياء الذي لا يحتمل رؤية فكرة تقاوم، أو ابتسامة تفلت من حصار الألم.
إن التهديد بإعادة تدمير المدمّر ليس مجرد وعيد عسكري، بل هو محاولة بائسة لفرض صمت القبور، ومحو أي أثر للأمل في عقول أجيال ولدت وعاشت تحت القصف. غير أن هذه الطائرات الورقية، برغم بساطتها، تحمل رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة؛ إنها تخبر العالم أن من يملك القدرة على البناء من وسط الأنقاض، لا يمكن لحديد الأرض كله أن يكسر رغبته في التحليق.
تظل تلك الطائرات المعلقة بين الأرض والسماء شاهداً حياً على صراع الإرادات؛ صراع بين عقلية لا تتقن سوى لغة الهدم، وأرواح غضة تجيد هندسة الأمل من بقايا الرماد. ومهما بلغت شدة الوعيد، سيبقى الخيط ممدوداً، وستظل الأجنحة الورقية ترتفع كلما هبت الريح، لتثبت أن الفضاء يتسع للأحلام دائماً، بينما تضيق الأرض المدمَّرة بالطغاة.