السامرة المنسية: الأرومة العربية الشمالية وتحولات العقيدة من جبال الجليل إلى تلال القدس

تستكشف المقالة الأرومة العربية الشمالية لجبال السامرة وجرزيم والجليل، وتتبع التحولات العقائدية والديموغرافية من خلال المصادر الكلاسيكية والأركيولوجية القديمة.

السامرة المنسية: الأرومة العربية الشمالية وتحولات العقيدة من جبال الجليل إلى تلال القدس
السامرة المنسية: الأرومة العربية الشمالية وتحولات العقيدة من جبال الجليل إلى تلال القدس

بقلم: د. علاء أبوعامر 

في فجر التاريخ الممتد بين وعورة الجليل وانخفاض بيسان، تداخلت خطى البشر مع تضاريس الأرض، لترتسم خارطة استيطان عربي قديم غيّر وجه بلاد السامرة وأطراف طبريا. لم تكن هذه الجغرافيا معزولة عن محيطها، بل تحولت بفعل صراعات الإمبراطوريات وتحركات القبائل إلى بوتقة انصهرت فيها الهويات، وتمازجت داخلها العقائد واللغات. لم يكن الوجود العربي في هذه الأصقاع وليد الصدفة، بل استمر وتعمق في العصور اللاحقة كما وثقته المصادر الكلاسيكية اليونانية والرومانية. يشير الجغرافي والمؤرخ سترابو في موسوعته إلى أن مناطق الجليل والمشارف المحيطة ببحيرة طبريا كانت تعج بالخلط السكاني، مؤكداً وجود تداخل كبير بين الإيتوريين " أل يطور" (القبائل العربية الجبلية) والأنباط (Strabo 16.2.34).

وفي ذات السياق، يوضح المؤرخ بلينيوس الأكبر في تأريخه لمدينة بيسان (سكيثوبوليس) والمناطق المحيطة بها، كيف أن "الديكابوليس" وأطراف الغور كانت نقاط تماس واحتكاك دائم مع البدو والقبائل العربية المستقرة التي فرضت نمط حياتها وعاداتها على طرق التجارة (Pliny 5.16). هذا الحضور جعل من الجليل وبيسان امتداداً طبيعياً لبادية الشام وشمال شبه الجزيرة العربية، وجعل اللغات المحلية تتأثر باللسان العربي القديم والآرامي في آن واحد.

إن التدقيق في عمق التاريخ السياسي والجغرافي للمنطقة يكشف أن السامرة، حتى قبل عهود التهجير الآشوري الموثق، كانت تحكمها هوية عربية شمالية متجذرة في بنيتها الحاكمة وفي تضاريسها المقدسة. تجلى ذلك بوضوح في "الأسرة العمرية" (سلالة عمري) التي أدارت دفة الحكم من قلب السامرة؛ إذ تعكس أسماء الأعلام في هذه الأسرة امتداداً لغوياً واشتقاقياً ينتمي إلى لسان شمال جزيرة العرب. فاسم الملك المؤسس "عمري" يطابق تماماً الصيغ الاسمية العربية مثل "عُمَر" و"عَمْرو"، بينما يحمل اسم ابنه وخليفته "أخآب" دلالة قرابة بدوية صريحة في تركيبها البنيوي (أخ-أب) (Lemaire 1988).

ولم تقتصر هذه العروبة المبكرة على السلالة الحاكمة، بل تجسدت في تسمية قلب السامرة النابض؛ "جبل جرزيم". إن التحليل اللغوي المقارن يثبت أن "جرزيم" ما هو إلا الصيغة الكنعانية والآرامية المقترنة بميم الجمع لاسم قبيلة "الجرزيين" (Gerzites)، وهي قبيلة عربية بدوية قديمة عُثر على مساكنها وآثار انتشارها الديموغرافي في شمال غربي صحراء النقب وأطراف بادية شور (Eph'al 1982). فتحول الاسم تاريخياً ليعني "جبل الجرزيين"، كشاهد حي على ارتحال القبائل العربية من تخوم النقب والبادية واستقرارها في السامرة وتسمية معالمها بلسانها القَبَلي.

يكشف هذا التراصف الاسمي والجغرافي أن السامرة لم تكن بيئة طارئة على الوجود العربي، بل كانت حاضرة تتداخل فيها الأرومة العربية الشمالية مع محيطها الكنعاني الفينيقي عبر شبكة من المصاهرة والتحالفات السياسية قبل الميلاد بقرون، لا سيما العلاقات الوثيقة والنسب مع البيوتات الملكية مع حواضر صور وصيدا (Cross 1973). وقد استمر هذا الوعي بالهوية المشتركة مئات السنين؛ فعندما أحتل الإسكندر المقدوني المنطقة، عرّف سكان السامرة أنفسهم للقائد الإغريقي بأنهم "صيدونيون" (Sidonians)، في إشارة إلى انتسابهم الثقافي والجغرافي للحواضر الفينيقية الكنعانية التي كانت "صيدا" اسمها الأشهر والأكثر تعبيراً عن التمدن الساحلي في ذلك الزمان (Josephus, Antiquities 11.8.6).

يرتبط تتبع الأرومة التاريخية لـ"الجرزيين" المستقرين في السامرة بصلات وثيقة وشبكة ديموغرافية تمتد إلى المنظومة القبلية الأدومية في الجنوب. إن اقتران ذكر الجرزيين بالقبائل الضاربة في النقب وبادية شور — مثل الجشوريين والعمالقة — يخرجهم من سياق المجموعات المعزولة ليضعهم في قلب النسيج العربي الأدومي (Eph'al 1982). يُعد العمالقة في المرويات التاريخية والمدونات الأركيولوجية القديمة جزءاً أصيلاً من المكون الأدومي الرعوي الذي اتخذ من الفضاء الممتد بين جنوب الأردن والنقب الشمالي والخليل حتى شمال بيت لحم موطناً له، حيث تداخلت هذه القبائل في تحركاتها ومصاهراتها وأطرها الثقافية (Redford 1992).

هذا الترابط الديموغرافي يعني أن الانتقال التدريجي للجرزيين من معاقلهم الأصلية في النقب نحو جبال السامرة كان في جوهره زحفاً وتمدداً للمكون الأدومي العربي باتجاه الشمال. حملت هذه القبائل معها إلى السامرة ليس فقط نمط حياتها الرعوي وعاداتها القبلية في التضامن وحرمة الدم، بل نقلت أيضاً بذور التصورات العقائدية واللاهوتية المرتبطة ببيئتها الجنوبية؛ لا سيما وأن أدوم كانت المركز الأساسي الذي انبثقت منه عبادة "يهوه الشاسو" (Giveon 1971). بناءً على ذلك، فإن إطلاق اسم الجرزيين على الجبل المقدّس في السامرة (جرزيم) يمثل دليلاً مادياً على أن البنية التحتية الدينية والثقافية للسامرة قد صُبغت بصبغة أدومية عربية مبكرة، وفدت مع هجرات الجنوب وشكلت جسراً معرفياً تماهت عبره لاحقاً العقائد البدوية مع الممارسات الكنعانية المستقرة.

تذكر الحوليات الملكية الآشورية، ولا سيما "نقش عرض السامرة" للملك سرجون الثاني (722–705 ق.م)، تفاصيل دقيقة عن استراتيجية نقل السكان الإجباري التي عمقت هذا الطابع. فبعد سقوط العاصمة السامرة، أقدم الآشوريون على تفريغ أجزاء من سكانها الأصليين، واستبدالهم بقبائل عربية جُردت من موطنها في شمال جزيرة العرب (Fuchs 1994). سارت القوافل تحت وطأة السلاح الآشوري، تحمل معها قبائل ثمود (Tamudi)، وإباديدي (Ibadidi)، ومرسماني (Marsimani)، وخيبي (Haiapa). عُرفت هذه المجموعات بصلابتها في بادية شمال الحجاز والنفود، ونُقلت لتستوطن الجبال والأودية المحيطة بالسامرة لملء الفراغ الديموغرافي والاقتصادي (Eph'al 1982).

لم يقتصر الأمر على شمال الجزيرة؛ بل سيق معهم أقوام آخرون من كوتا وبابل في العراق، ومن حماة في بادية الشام، ليتشكل نسيج سكاني جديد عُرف لاحقاً في المرويات التاريخية بالسامريين، الذين حملوا هجاناً ثقافياً ولسانياً فريداً تلاقحت فيه الألسن العربية القديمة والكنعانية والآرامية.

هذا الامتزاج البشري العنيف والتلقائي أحدث تحولاً عميقاً في البنية الثقافية والعقائدية للمنطقة. فالقبائل العربية المنقولة والمسماة في النصوص الآشورية أحضرت معها عاداتها، وعباداتها، وألسنتها التي تداخلت مع السكان المحليين، مما أثر في صياغة الدين والتقاليد السامريّة التي تميزت باختلافها الجذري عن ديانة "أورشليم" اللاحقة. وفي هذا الفضاء الثقافي، تبرز الأصول الجغرافية لاسم الإله "يهوه" (YHWH). تظهر الوثائق المصرية القديمة من عهد أمنحوتب الثالث ورمسيس الثاني إشارات واضحة إلى مجموعات بدوية تُعرف باسم "شاسو" (Shasu) تستوطن مناطق أدوم ومدين في شمال غرب جزيرة العرب فيما يعرف بالحجاز الشامي، وتصف أرضهم بـ "أرض شاسو-يهوه" (Giveon 1971).

كان "يهوه" في أصله إلهاً يرتبط بالبرق، والبراكين والحروب، (وهو ما تؤكده التوراة في اسفارها بوصفه إله النار) والبادية لدى هذه القبائل العربية الشمالية قبل أن تنتقل عبادته شمالاً عبر مسالك الهجرة والتجارة والتهجير القسري. وعندما استقرت القبائل العربية والآرامية في السامرة (مثل الجرزيين والقبائل المنقولة آشوريّاً)، تماهت هذه العقيدة البدوية القديمة مع الممارسات المحلية، ليصبح "يهوه الشاسو" الإله المحيط بجبل جرزيم، متدثراً بملامح إله البادية العربي الشمالي الذي يجمع بين القسوة والرحمة، وهو ما يفسر التشابه الكبير في العادات، وحرمة الدم، والتقاليد القبلية التي صبغت عقائد السامرة القديمة. 

مع حلول العصر الفارسي، أدى الفراغ الديموغرافي الحاد في تلال منطقة يهودا أي محيط القدس (بعد تهجير النخب الكنعانية والحورية- الميتانية من تلك المنطقة) إلى تحول جيوسياسي وثقافي كبير. دفع هذا الفراغ بجماعات من سكان السامرة ذوي الأصول العربية والكنعانية إلى النزوح جنوباً والاستقرار في تلك المناطق، تزامناً مع تدفق مستمر وهجرات متلاحقة للقبائل الأدومية والأنباط من الجنوب والشرق نحو تلال القدس ومحيطها (Eph'al 1982).

أسفر هذا التمازج السكاني المتراكم بين النازحين من السامرة والمجموعات الأدومية والنبطية المستقرة في أطراف بيت المقدس عن نشوء بيئة ثقافية ودينية هجينة. تظافرت في هذه البيئة الموروثات العقائدية لتلك القبائل العربية الشمالية والجنوبية (وفي مقدمتها عبادة يهوه الشاسو والآلهة الأدومية) مع التقاليد الكنعانية المحلية، لتشكل النواة الأساسية والتربة الخصبة التي تولدت منها الملامح الأولى للديانة الموسوية في صيغها التاريخية والنصية اللاحقة (Redford 1992).

إن إعادة قراءة جغرافيا السامرة وجرزيم والجليل من خلال مصفاة التوثيق الكلاسيكي والأركيولوجي، تكشف عن حقيقة ديموغرافية غيبتها القراءات اللاهوتية التقليدية الكنسية والصهيونية في العصر الحديث. لقد كانت هذه الأرض امتداداً حيوياً للبادية العربية وللأرومة الكنعانية؛ فمن النقب ارتحل الجرزيون الأدوميون ليسمّوا جبل السامرة المقدس، ومن صحراء الحجاز انتقلت عقيدة "الشاسو" لتمنح الإله ملامحه الأولى. وبذلك، تظل السامرة الشاهد التاريخي الأكبر على أن الألسن والعقائد لم تهبط في فضاءات مغلقة، بل صيغت برنين خطى القبائل العربية وتمازجها مع حواضر كنعان، لتضع اللبنات الأولى لعقائد صبغت وجه التاريخ الإنساني.