المجلس الوطني الفلسطيني: تأجير أم تحرير "منظمة التحرير الفلسطينية"؟

مقال تحليلي بقلم حسام شعبان يناقش مسار منظمة التحرير الفلسطينية، اتفاق أوسلو، وتحديات الانتخابات والمجلس الوطني وسط الانقسام والشرعيات المتعددة.

المجلس الوطني الفلسطيني: تأجير أم تحرير "منظمة التحرير الفلسطينية"؟
المجلس الوطني الفلسطيني: تأجير أم تحرير

بقلم: حسام شعبان. 

عند تأسيس منظمة التحرير في ١٩٦٤، كان المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول هو نفسه المجلس الوطني الأول، ومنه نشأت مؤسسات المنظمة. وأقرّ المؤتمر الميثاق والنظام الأساسي، وانتخب اللجنة التنفيذية برئاسة أحمد الشقيري.

هؤلاء لم يكونوا ممثلين لفصائل منظمة التحرير؛ لأن منظمة التحرير لم تكن موجودة أصلًا بعد.

لم يكن المؤتمر منتخبًا بانتخاب شعبي مباشر. أحمد الشقيري، الذي كُلّف من مؤتمر القمة العربية الأول بالتحضير لإنشاء الكيان الفلسطيني، شكّل لجانًا تحضيرية في البلدان التي يتجمع فيها الفلسطينيون. هذه اللجان أعدت قوائم المرشحين، ثم قامت لجنة تنسيق مركزية بمراجعتها بهدف تحقيق تمثيل جغرافي واجتماعي أوسع.

هكذا كان "التعليب" الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية، محكوما بتعذر إمكانية إجراء انتخابات شعبية بسبب وجود الاحتلال وشتات الشعب الفلسطيني وانعدام سيادته على أراضيه وعلى ناسه.

بعد هزيمة 1967، انهارت إلى حد كبير جاذبية النموذج الرسمي الذي كانت تمثله قيادة المنظمة المرتبطة بالأنظمة العربية، بينما ارتفعت شعبية الفدائيين والتنظيمات المسلحة الفلسطينية. استقال الشقيري في أواخر 1967.

الفصائل لم تستولِ على المنظمة بانقلاب عسكري على مؤسساتها؛ بل دخلت من خلال إعادة تركيب المجلس واللجنة التنفيذية، ثم أصبحت صاحبة الوزن الأكبر داخلهما. وفي 1969 وصل ياسر عرفات إلى رئاسة اللجنة التنفيذية بعد انتخابه في المجلس الوطني في القاهرة.

هكذا كان "التعليب" الثاني لمنظمة التحرير الفلسطينية، محكوما بنفس الأعذار السابقة، لكنه استبدل الشرعية المستمدة من النظام الرسمي العربي بشرعية مستمدة من عمل كفاحي ثوري تحرري وتضحيات الفدائي الفلسطيني.

أوسلو لم يضف مجرد برنامج سياسي جديد للمنظمة؛ بل أنشأ مركزًا مؤسسيًا جديدًا للسلطة الفلسطينية في الضفة وغزة. فأصبح لدينا: منظمة التحرير الفلسطينية، تمثل الفلسطينيين سياسيًا على مستوى القضية الوطنية، وفي الوقت نفسه، السلطة الوطنية الفلسطينية، جهاز حكم في بعض الأراضي الفلسطينية غير المحررة، لها رئيس ومجلس تشريعي وحكومة وأجهزة إدارية وأمنية.

وهنا بدأ مركز الثقل ينتقل من منظمة التحرير بوصفها الإطار الوطني الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات إلى مؤسسات السلطة في بعض الأراضي الفلسطينية تحت سلطة الاحتلال. 

وفي دورة المجلس الوطني عام ١٩٩٦ ظهر هذا التحول صراحة؛ فقد وصف المجلس بناء وترسيخ السلطة الفلسطينية بأنه المهمة المركزية لاستكمال المشروع الوطني والوصول إلى الدولة الفلسطينية.

في ١٩٩٦ اجتمع المجلس الوطني في غزة، وصوّت على قرار تعديل الميثاق بإلغاء المواد التي تتعارض مع الرسائل المتبادلة مع إسرائيل واتفاق أوسلو، وتكليف اللجنة القانونية بإعادة صياغته. وفي ١٩٩٨ جرى إعلان إلغاء مواد وتعديل أخرى تتعارض مع التزامات أوسلو. وبالتالي لم يعد الميثاق بصيغته التاريخية لعام ١٩٦٨ هو التعبير الكامل عن البرنامج السياسي للمنظمة.

هذا برمته كان مساراً قهرياًَ لم يبنى استفتاء شعبي أو نتائج انتخابية. 

أوسلو لم يكن خياراً فلسطينياً، ولم يكن خياراً عربياً، بل هو واقع فرضته ظروف دولية، أهمها ضعف نفوذ الاتحاد السوفييتي الذي أدى أولا إلى طرح مبادرة بريجنيف عام ١٩٨١ ورفضها من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، ثم تخلي غورباتشوف عن أي دور للإتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط بعد قمة ريكيافيك عام ١٩٨٦، ثم الانهيار الكامل للاتحاد عام ١٩٩١. والعامل الثاني هو ضرب البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتياح بيروت عام ١٩٨٢ وتشتيتها في دول عربية بعيدة عن حدود فلسطين. والعامل الثالث هو حرب الخليج التي أخرجت العراق من ساحة الدعم المباشر للقضية الفلسطينية وانتجت انقساماً وضعفاً عربياً شل اي قدرة على التأثير في السياسة الدولية.

الإنتفاضة الفلسطينية عام ١٩٨٧، كانت تعبيراً واضحاً عن رفض الشعب الفلسطيني لكل التوجهات الدولية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية سواء عبر ما أصبح لاحقاً مؤتمر مدريد، أو اتفاقية أوسلو. والانتفاضة الفلسطينية الثانية عام ٢٠٠٠، كانت اعلاناً واضحاً عن فشل مسار أوسلو واستئناف الكفاح الفلسطيني. 

واوسلو لم يصبح خياراً فلسطينياً مع مرور الزمن، ففي انتخابات المجلس التشريعي عام ٢٠٠٦ حماس لم تدخل منظمة التحرير، لكنها استطاعت أن تحصل على تفويض انتخابي واسع داخل المجتمع الفلسطيني، وحصلت على 74 مقعدًا من أصل 132.

في ٣٠ كانون الثاني/يناير ٢٠٠٦، بعد أيام من الانتخابات، أصدر الرباعي الدولي (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، والأمم المتحدة) بيانًا هنأ فيه الفلسطينيين على انتخابات وصفها بأنها حرة ونزيهة وآمنة.

لكن الرباعي قال إن على الحكومة الفلسطينية الجديدة الالتزام بثلاثة شروط أساسية: نبذ العنف، الاعتراف بإسرائيل، وقبول الاتفاقات والالتزامات السابقة التي أبرمتها منظمة التحرير. وكأن الرباعي يطلب من الحكومة الجديدة خيانة برنامجها السياسي الذي اختاره الشعب الفلسطيني عبر صناديق الاقتراع. 

وهكذا نشأ تناقض بين مصدرين للشرعية: الشرعية الانتخابية الجديدة مقابل الشرعية السياسية/الدولية لمنظمة التحرير. شرعية يدعمها القانون الدولي ونتيجة الانتخابات وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وشرعية تدعمها قوة المال والسلاح وهي قامت أصلا على ارغام منظمة التحرير على قبول أوسلو. 

شرعية تتمسك بحق الشعب الفلسطيني والأسس التي قامت عليها أصلا منظمة التحرير الفلسطينية مهما بلغت الصعاب والتضحيات، وشرعية تتمسك بمكتسبات سياسية/دولية لا صدى لها على الأرض، مهما بلغت التنازلات عن الحق الفلسطيني. ولا وسط بين الإثنين، لأن الوسط بات يعني قبول الشيء ونقيضه. 

هذا التناقض نفسه هو الذي افرز ٧ أكتوبر وما تلاه، شعب يقدم التضحيات الجسام، وسلطة تقدم التنازلات الجسام. وحتى ان حركة فتح رائدة الكفاح الفلسطيني تبعثرت بين هذا وذاك. ولم يبق لها من الريادة إلا ريادة المال الذي يمنح لها ممن ظلم فلسطين وما زال ظالماً، وكل من خرج عن هذه الريادة بات خارج الاطر الرسمية للحركة. 

هذا التشرذم بدأ بانشقاق الحركة عام ١٩٨٣، ثم ظهور علني لمطالب إصلاح مؤسسي داخل فتح منذ عام ١٩٩٧، ولم ينته بخروج تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان عام ٢٠١١. هذا نفسه كان الواقع في معظم الفصائل الفلسطينية، الا أن التأثير الأكبر للتشرذم بقي في حركة فتح. 

فهل أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية منظمة للايجار مقابل المال؟ والمال يعني القوت لشعب محاصر بشتى انواع السلاح الفتاك، والقتل المتواصل سواء في غزة أو الضفة الغربية المحتلة، أو المحاصر حقوقياً في دول الشتات. 

وهل نحن أمام "التعليب" الثالث للمجلس الوطني الفلسطيني؟

لقد إعترف العالم بنزاهة انتخابات عام ٢٠٠٦، الا انه لم يعترف بحق الشعب الفلسطيني بأن يقرر مصيره، بل بدأت إسرائيل حملة اعتقالات واسعة طالت نوابًا ووزراء فلسطينيين. وفي ٢٩ حزيران/يونيو ٢٠٠٦ وحده، اعتقلت القوات الإسرائيلية ثمانية من أعضاء الحكومة وأكثر من ٢٠ عضوًا في المجلس التشريعي، لم تقتصر الاعتقالات على أعضاء حركة حماس؛ فقد اعتُقل لاحقًا أيضًا أعضاء من حركة فتح والجبهة الشعبية، ومن أبرزهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات، وهما أعضاء منتخبين في المجلس التشريعي، هذا عدا عن الاغتيالات المتواصلة في صفوف القيادات الفلسطينية. 

وفي حالة ٢٠٠٦، الاختيار الانتخابي حدث فعلًا، لكن قدرة هذا الاختيار على إنتاج سلطة سياسية مستقرة تعرضت لضربتين: الاحتلال من الخارج والانقسام الفلسطيني من الداخل.

والأهم بالنسبة لموضوع المجلس الوطني الحالي: تجربة ٢٠٠٦ تعني أن إدخال حماس والحلفاء إلى مؤسسة تمثيلية فلسطينية لا يحل المشكلة بمجرد إجراء الانتخابات؛ يجب أيضًا أن تكون هناك ضمانات بأن نتائج الاختيار لا يمكن إفراغها من مضمونها بعد صدورها.

ولكن يبدو حتى أن هذا الطموح بات بعيد المنال فبحسب النص المتداول لنظام الانتخابات، يشترط في المرشح الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، (وببرنامجها السياسي) والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

إذا كان المجلس الوطني هو أصل منظمة التحرير والسلطة العليا فيها، فهل يجوز أن يُشترط على المرشح للمجلس مسبقًا الالتزام ببرنامج المؤسسة التي يفترض أن المجلس نفسه يملك سلطة تحديد برنامجها؟ وهل تتكرر تجربة المجلس التشريعي في المجلس الوطني القادم؟

اذاً هي انتخابات قد جرى تفصيلها على مقاس فئة محددة من شعب فلسطيني وحظرها على القطاع الأوسع من الشعب الفلسطيني. هي انتخابات لا يصح أن توصف بأنها شعبية. 

إن هذا "التعليب"، إن حدث، فهذا يعني تحويل المجلس من مجلس وطني فلسطيني إلى مجلس تمثيلي لارادة الاحتلال، مجلس لا يمثل إرادة الشعب الفلسطيني، بل يمثل إرادة الاحتلال. وبهذا يكون قد اكتمل احتلال منظمة التحرير الفلسطينية، ووجب تحريرها.

هذا، إن حدث، فهو انتاج لشرعية جديدة ثالثة، مستمدة من قوة القهر والاجرام بحق الشعب الفلسطيني، ويؤسس لإنقسام جديد في البنية الفلسطينية الهشة اصلاً. 

اما الشرعية الحقيقية المستمدة من إرادة الشعب الفلسطيني الحرة فعليها ان تنتظر. 

والشعب الفلسطيني امام خيارين، تأجير منظمة التحرير الفلسطينية أو تحريرها.

الاثنين ٢٤ آب ٢٠٢٦.