المعركة الصامتة: كيف تُسرق العقول في فضاء رقمي ملغوم؟

معركة الوعي الرقمي في مواجهة الذباب الإلكتروني وحملات تشويه القضية الفلسطينية عبر تحليل الآليات النفسية والسياسية والاجتماعية.

المعركة الصامتة: كيف تُسرق العقول في فضاء رقمي ملغوم؟
المعركة الصامتة: كيف تُسرق العقول في فضاء رقمي ملغوم؟

بقلم:د. علاء أبوعامر 

لم تعد الحروب تُدار بالمدافع والطائرات وحدها، بل باتت الكلمة والمنشور والتغريدة أسلحة فتاكة تعيد صياغة الوعي الجمعي وتستهدف الوجدان الشعبي. في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء الرقمي العربي ظاهرة غريبة على شيم هذه الأمة وأعرافها؛ إذ انطلقت ألسنة وأقلام مجهولة الهوية لتهاجم الحق الفلسطيني، متبنيةً الرواية الصهيونية بحذافيرها، ومتنكرةً لعقود من التضامن القومي والإنساني. هذه الظاهرة ليست تحولاً عفوياً في قناعات الشعوب، بل هي نتاج هندسة اجتماعية خبيثة تقودها جيوش رقمية مبرمجة وغرف عمليات مظلمة، تتقاطع مع نفوس مأزومة وعلل اجتماعية وسياسية عميقة. 

تتحرك هذه المنظومات المأجورة، والتي باتت تُعرف بالذباب الإلكتروني، وفق آليات تقنية ونفسية شديدة الدقة. تبدأ الحكاية بخلق واقع افتراضي زائف عبر صناعة وسوم وهمية تتصدر المشهد فجأة، لإيهام المتابع العادي بأن هناك تحولاً في المزاج الشعبي. يترافق ذلك مع عزف مستمر على أوتار المعاناة اليومية للمواطن العربي، ومحاولة ربط أزماته الاقتصادية والاجتماعية بالدعم التاريخي لفلسطين، بهدف صناعة "عدو بديل" وإشغال الشعوب ببعضها، لتمرير توازنات سياسية وتحالفات إقليمية جديدة تحت شعارات انعزالية ضيقة. 

ولا يقتصر هذا التشويه الرقمي الممنهج على المنظومات الآلية الصماء، بل يجد له أرضاً خصبة لدى فئات من البشر التقطت هذه الهجمات وجعلت من أنفسها أبواقاً تفيض حقداً وتشفياً. خلف هذا التماهي تكمن عقدة النقص أو ما يمكن تسميته بالخصيان النفسي؛ فالفلسطيني بصموده الأسطوري وقدرته على قول "لا" في وجه أعتى آلات الدمار، يمثل نموذجاً حراً يعري عجز المستسلمين وخنوعهم. وبدلا من أن يستلهم الشخص المهزوم داخلياً من هذه الشجاعة قوة، يتحول عجزُه إلى حقد مستتر، فيسقط لومه على الضحية ويتهمها بالتهور، ليبرر لنفسه قعوده وجبنه أمام واقعه المستبد. 

يضاف إلى هذا العجز النفسي حسد اجتماعي واقتصادي أعمى يملأ قلوب بعض الموتورين. فالتاريخ يشهد أن الفلسطينيين، رغم مرارة اللجوء وقسوة الشتات، استطاعوا بجهدهم وعلمهم وكفاءتهم بناء نجاحات مهنية واقتصادية بارزة أينما حلوا. هذا التميز والقدرة على الانبعاث من تحت الرماد يثير حفيظة النفوس المريضة التي تعجز عن تحقيق ذاتها، فتجد في الحملات الموجهة فرصة سانحة لإفراغ شحنات الحسد المتراكمة والتشفي ممن تفوقوا عليها بالصبر والعمل. 

أما على الصعيد السياسي، فإن هؤلاء الذين تطلقهم الأنظمة لينبحوا في الفضاء الافتراضي ليسوا سوى أدوات وظيفية في لعبة تقديم القرابين. لقد غدا الفلسطيني اليوم هو القربان السياسي الذي تقايض به بعض الأنظمة الحاكمة للحصول على صكوك الغفران والرضا من المحتل ومن القوى الدولية الداعمة له. ولكي تمرر هذه الأنظمة تنازلاتها وتحمي عروشها، كان لا بد لها من تزييف وعي شعوبها بشيطنة صاحب الحق، حتى يبدو الفلسطيني في نظر العامة وكأنه لا يستحق التضحية، وبذلك يصبح الخذلان والتطبيع عملاً عقلانياً ومبرراً لحماية مصالح وطنية موهومة. 

إن هذه التوليفة الخطيرة بين الأداة المأجورة والنفسية المأزومة تكشف عمق المعركة الأخلاقية التي نعيشها. فالذين يهاجمون فلسطين اليوم بلسان صهيوني ليسوا أصحاب رأي، بل هم ضحايا هزيمة داخلية، أو حراس مصالح ضيقة تخلوا عن آدميتهم ليرضى عنهم الجلاد. إن محاولات عزل فلسطين وشيطنة نضال شعبها عبر الفضاء الرقمي لن تفلح في كي وعي الشعوب العربية التي ما زالت ترى في هذه القضية بوصلتها الأخلاقية والإنسانية. إن الذباب الإلكتروني ومن يسير في ركبه، مهما بلغت ميزانياته وضخامة شبكاته، سيبقى مجرد زبد رقمي يذهب جفاء، في حين يظل الوعي الشعبي الحقيقي والتعاطف البشري الصادق هو ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فال تاريخ لا يرحم الساقطين على قارعة الطريق، والحق يبقى أبلج والباطل لجلج مهما كثر ناعقوه.