تحت رماد الشام: صفقات الصمت وخرائط الدم الواقف
قراءة تحليلية في خبايا الأزمة السورية وصفقات النفوذ الإقليمية والدولية تحت رماد الشام وخرائط الصمت العسكري والسياسي.
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم تكن دمشق يوماً مجرد عاصمة تسقط أو تقوم، بل كانت دائماً حجر الزاوية في ميزان شرقٍ لا ينام إلا على صوت المدافع، ولا يستيقظ إلا على مآتم الأحلام المؤجلة. وفي هذا الفصل الأخير من فصول الحكاية السورية، بدا المشهد للناظرين من بعيد وكأنه ثورة عاتية اقتلعت جذور نظام عتيد، لكن العارفين بخبايا الكواليس وخلفيات المسرح كانوا يدركون أن خلف كل رصاصة أُطلقت، وخلف كل تراجع أو تقدم، تكمن خطوط حبر سريّة كُتبت في عواصم القرار قبل أن يجف حبر البيانات الرسمية بكثير.
لقد جرى تقسيم الكعكة السورية بميزان صيدلاني دقيق لم يترك للصدفة مجالاً. نزلت تركيا بكل ثقلها العسكري والسياسي في الميدان، لا حباً في سواد عيون الحالمين بالحرية فحسب، بل لتنتزع بأيديها مخالب المشروع الكردي الذي طالما أرّق مضاجع أمنها القومي على حدودها الجنوبية. فكان لها ما أرادت؛ تشتت الحلم الانفصالي، وتفككت الإدارة الذاتية، وحصلت أنقرة على حزامها الآمن ومكسبها الاستراتيجي الأكبر. لكن في السياسة، لا توجد هدايا مجانية، والمكاسب في الشمال كان لا بد أن تقابلها أثمان مدفوعة في الجنوب والوسط.
على الجانب الآخر من الحدود، كانت عيون تل أبيب تراقب المشهد برمتّه، وعيناها على الجائزة الكبرى التي انتظرتها لعقود. ومع انهيار مؤسسات النظام القديم، لم يكن الهدف الإسرائيلي مجرد تغيير الوجوه في قصر المهاجرين، بل كان الهدف شطب "القوة العسكرية السورية" كلياً من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. فتحولت سوريا بموجب هذه التفاهمات الصامتة إلى دولة منزوعة السلاح الثقيل، غارقة في الديون وإعادة الإعمار، وخرج ثاني أقوى جيش مواجهة عربي من الحسابات الاستراتيجية، ليحل محله حزام أمني إسرائيلي وتوغلات تفرض شروط المنتصر بقوة الأمر الواقع والنار.
ومع ذلك، فإن طموحات الدول كثيراً ما تفيض عن حدود الاتفاقات المبرمة؛ فحين حاولت تركيا أن تمد بساط نفوذها أبعد مما رُسم لها، وتوجهت أنظارها نحو وسط البلاد عبر قاعدة أبو الظهور العسكرية، جاء الرد سريعاً وقاسياً. لم يكن القصف الإسرائيلي للمطار مجرد غارة عابرة، بل كان رسالة مشفرة بالبارود، مدعومة بضوء أخضر وفيتو أمريكي حاسم، يعيد تذكير الجميع بـ "الخطوط الحمراء" التي لا يجوز تخطيها. وأمام هذا التحالف الدولي الصارم والتفوق الجوي المطلق، لم تجد أنقرة ودمشق بداً من الانكفاء، والصمت، ونفي التواجد العسكري، لتبدأ لعبة الدبلوماسية المذعورة في أروقة عمان لترميم ما انكسر، وحفظ ما تبقى من ماء الوجه خلف شعارات السيادة الوطنية.
إن التاريخ لا يرحم الواهمين، والسياسة الدولية لا تعترف بنوايا الشعوب بل بموازين القوى التي تفرضها الدول العظمى على أشلاء الأوطان. ومهما حاولت البيانات الرسمية طمس الحقائق بعبارات منمقة، فإن خرائط النفوذ الحالية تنطق بما وراء السطور، وتؤكد أن ما جرى لم يكن وليد الصدفة، بل كان فصلاً محبوكاً من فصول التوازنات الكبرى، حيث يدفع الصغار ثمن صفقات الكبار من دمائهم وأرضهم ومستقبل أجيالهم.
وعلى هذا النحو، تظل الشام كتاباً مفتوحاً يقرأ فيه الحكماء سنن التدافع ومصائر الأمم؛ فبينما تنشغل المحافل الدولية بصياغة بنود الاتفاقيات الأمنية ورسم حدود النفوذ الصامتة، يبقى المواطن السوري وحيداً يلملم جراحه فوق أرض أثقلتها المؤامرات وتبادل المصالح. وإن الأيام القادمة، بما تحمله من تحولات ميدانية وسياسية، كفيلة بأن تزيح الستار كاملاً عن بقية الفصول المخفية، لتثبت مجدداً أن الحقوق لا تُوهب في غرف المفاوضات المغلقة، بل تُنتزع بصمود الشعوب ووعيها بخفايا التاريخ، لتبقى سوريا عصية على التقسيم وإن تكالبت عليها الخطوط والحدود.