سلالة حرد الأدومية: قصة العائلة العربية التي حكمت فلسطين تحت ظلال روما

تعرف على قصة سلالة حرد الأدومية العائلة العربية التي حكمت فلسطين في العصر الكلاسيكي تحت ظلال روما وتفاصيل الصراعات التاريخية الكبرى بقلم د. علاء أبوعامر.

سلالة حرد الأدومية: قصة العائلة العربية التي حكمت فلسطين تحت ظلال روما
سلالة حرد الأدومية: قصة العائلة العربية التي حكمت فلسطين تحت ظلال روما

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في ثنايا التاريخ الكلاسيكي القديم، وبعيداً عن إسقاطات السرديات الكنسية والصهيونية المتأخرة، تبرز قصة عائلة الملك حرد الكبير (أو حرد العربي) كواحدة من أكثر القصص الديموغرافية والسياسية عمقاً في المشرق القديم. لم تكن هذه العائلة غريبة عن تراب الأرض؛ بل كانت امتداداً طبيعياً للبنية القبلية والإثنية التي صبغت أقاليم فلسطين بالهوية العربية الصرفة. وتبدأ حكاية هذه السلالة من قلب إقليم أدوميا والنقب، حيث جذور الأب الأمير أنتيباتر الأدومي، الذي ينحدر من أصول عربية أدومية انحدرت من موطنها الأصلي في شمال جزيرة العرب (منطقة الجوف وحسمى)، وتوسعت عبر أقاليم المشرق لتستقر في جنوب فلسطين، متداخلة مع البيئة المحلية. والتحمت هذه الجذور بالبيت الملكي النبطي في البتراء بزواجه من الأميرة العربية النبطية قبرة، ليكون حرد، المولود في مدينة عسقلان الساحلية نحو عام ثلاثة وسبعين قبل الميلاد، عربياً خالصاً من جهة الأبوين، ونشأ ولغته الأم هي العربية القديمة (العربية الشمالية) التي كانت لسان التجارة والقبائل في هذا المدى الجغرافي، إلى جانب تعلمه اليونانية كضرورة إدارية وعالمية في عصره. 

تأخذ الحكاية التشريعية لهذه العائلة منحى حاسماً عند تتبع ما يصفه المؤرخون، وعلى رأسهم الجغرافي سترابون، حول "اعتناق الشريعة الموسوية". فلم يكن هذا التحول انصهاراً في قومية "يهودية" بالمعنى المعاصر؛ إذ لم تكن الديانة اليهودية الحاخامية التلمودية قد ولدت بعد، بل كانت فلسطين تعج بصراعات فكرية وفلسفية بين منظومات متباينة كالصدوقية والفريسية والاسينينة والسامرية والحضورية والصابئية والمجوسية والميثروية والوثنيات الكنعانية الاخرى. لقد تقبل أجداد حرد شريعة موسى والناموس كمنظومة قانونية وإدارية ودينية فرضتها ظروف الصراع السياسي والتوسع الحسمي العربي "الحشموني" في العصر الهيلينستي المتأخر. وعندما تسلم حرد عرش فلسطين "التي أطلق عليها الحسميون مصطلح يهودا" بدعم من الإمبراطورية الرومانية، دخل في صراع وجودي مع المدرسة الفريسية الشعبية التي ناصبته العداء ورفضت شرعيته بوصفه "ملكاً لاينحدر من سلالة الكهنة" واعتبروه نصف "يهودي" حيث ديار أهله وعشيرته هي غزة وعسقلان والنقب ولا ينحدر من سلالة داوود، مما دفعه للتحالف البراغماتي مع الأرستقراطية الصدوقية لتأمين ملكه، مستخدماً شريعة موسى كأداة حكم سياسية وإدارية محايدة لإدارة رعاياه. 

ولم تنفصل حياة حرد العائلية عن طبيعة الصراع السياسي المرير؛ فقد تزوج من عشر زوجات، وكان من أبرزهن الأميرة الحسمية العربية "الحشمونية" مريام، والنبيلتين السامريتين ميرثا ومالثاكي، والأميرة النبطية ابنة الملك الحارث الرابع. هذا التوسع الأسري تحول بمرور الوقت إلى ساحة من المؤامرات الدموية نتيجة صراع الأبناء على وراثة العرش وتحريض القوى الإقليمية. وفي أواخر حياته، سيطر الشك والجنون السياسي على حرد، فقام بإعدام زوجته مريام وأبنائه الإسكندر وأرسطوبولس وأنتيباتر بعد اتهامهم بالتآمر عليه، ليموت حرد في النهاية عام أربعة قبل الميلاد مريضاً ومعزولاً، تاركاً خلفه مملكة ممزقة فككها الإمبراطور أغسطس قيصر بين أبنائه الثلاثة الناجين: أرخيلاوس الذي حكم منطقتي يهودا والسامرة، وأنتيباس الذي حكم الجليل وبيرية، وفيليبس الذي حكم الجولان وحوران. 

انتهت هذه السلالة الطموحة بنهاية تراجيدية تماشت مع ذوبان الممالك الحليفة في جسد الإمبراطورية الرومانية المباشر؛ فسرعان ما عزل الرومان الحكام من أبناء حرد واحداً تلو الآخر نتيجة فشلهم الإداري وثورات السكان المحليين ضد طغيانهم، وتحولت أقاليمهم إلى مقاطعات رومانية تدار عبر الولاة المباشرين. ورغم المحاولة الأخيرة للحفيد عريب الأول لم شمل المملكة، إلا أن موته المفاجئ، ويليه تسلم عريب الثاني للمناطق الشمالية وصولاً إلى اندلاع الثورة، وهي الثورة الفلسطينية الكبرى عام سبعين ميلادية وتدمير القدس، قضى تماماً على أي أثر سياسي للعائلة. ومع تشتت الأحفاد الباقين في بلاطات روما والممالك الصغيرة في آسيا الصغرى، اندثرت سلالة حرد العربي وتلاشت من خارطة الحكم، تاركة وراءها معالم عمرانية ضخمة كقيسارية وسبسطية، وشهادة تاريخية وثقها سترابون حول هوية الإقليم ورجالاته الذين صاغوا تاريخ فلسطين القديم بقوة السيف وتقلبات السياسة. 

تظل سلالة حرد العربي الأدومي نموذجاً حياً لكيفية تشابك الأصول القبلية العربية في موطنها الأم بشمال جزيرة العرب مع التحولات التشريعية والسياسية في فلسطين الكلاسيكية. إن قراءة قصة هذه العائلة بعيداً عن التشوية المتأخر تثبت أن التاريخ البشري لهذه الأرض كان دائماً محكوماً بالامتداد المشرقي الأصيل، وأن تدافع أبناء أنتيباتر والأنباط، ومن ثم الأحفاد عريب الأول وعريب الثاني، على مسرح الأحداث يعكس حيوية الهوية العربية القديمة وقدرتها على قيادة الدبلوماسية والعمارة والحكم تحت أصعب الظروف الدولية وظلال النسور الرومانية.