تزوير الجنسية في ليبيا.. تحقيق يكشف سوقاً للبيع وتهديداً للانتخابات

تحقيق لمؤسسة "صحراء إنتلجنس" يكشف تفاقم تزوير السجلات المدنية في ليبيا، ووجود سوق لبيع الجنسية بأسعار تصل إلى 70 ألف دينار، مع تورط آلاف الأفراد وتهديد نزاهة الانتخابات.

تزوير الجنسية في ليبيا.. تحقيق يكشف سوقاً للبيع وتهديداً للانتخابات
تزوير الجنسية في ليبيا.. تحقيق يكشف سوقاً للبيع وتهديداً للانتخابات

كشف تحقيق مستقل عن تفاقم ظاهرة تزوير الجنسية في ليبيا، بالتوازي مع وجود سوق منظمة لبيع الجنسية، محذراً من تأثير عمليات التزوير على الموازنة الليبية والعملية الانتخابية. وجاء في تقرير بحثي أعدته مؤسسة "صحراء إنتلجنس" غير الحكومية، أن قضايا تزوير الجنسية والهوية في ليبيا، التي كشفت عنها النيابة العامة خلال الفترة الأخيرة، تتجاوز مجرد عمليات تزوير وثائق منفردة، بل تحولت إلى نمط أكثر تعقيداً يتمثل في التلاعب بالبنية الرسمية للسجل المدني وصناعة هويات تبدو قانونية داخل النظام نفسه.

تحقيق مستقل يرصد تورط آلاف الأفراد في تزوير الجنسية

استندت المؤسسة إلى العشرات من المنشورات الرسمية الصادرة عن مكتب النائب العام الليبي حتى شهر أبريل لتقدم تقريراً شاملاً حول أنماط تزوير الجنسية الليبية عبر آليات متعددة ومتداخلة على نطاق واسع. وأشار التحقيق إلى أن أكثر من أربعة آلاف فرد تورطوا في عمليات التزوير، إضافة إلى تورط أكثر من عشرة آلاف أسرة في نفس الملف، مع وجود ما يقارب 279 ألف ملف جنسية مهددة بالتزوير.

واعتمد التحليل، الذي يمتد على فترة 43 عاماً من العام 1982 إلى 2025، على منشورات موثقة رسمياً منشورة عبر قناة مكتب النائب العام الليبي، مع تأكيد دقة وربط جميع البيانات بمصادرها الأصلية، ما يعزز مصداقية النتائج ويوضح ضرورة التعامل الجدي مع الأزمة المستفحلة. وأكد التقرير أنه بينما جرى توثيق عمليات التزوير في الفترة بين عامي 2024 و 2026، إلا أن بعض عمليات التزوير تعود جذورها إلى تسعينيات القرن الماضي، وجرى اكتشافها لاحقاً خلال التدقيقات والمراجعات الأرشيفية المتأخرة.

آليات متطورة للتزوير.. تواطؤ داخلي وشبكات منظمة

أكد التحقيق وجود تنوع خطير في آليات التزوير، التي تشمل الوصول غير المشروع إلى قواعد البيانات، والتدخل المباشر في سجلات الأسر، واستخدام وثائق أرشيفية قديمة معدلة. ويكشف هذا التنوع عن وجود تواطؤ داخلي رفيع المستوى بين موظفين وتقنيين ومتواطئين خارجيين، مع ظهور شبكات تجارية منظمة تستغل النظام المدني في أغراض إجرامية وتجارية بحتة. ولم تقتصر عمليات التلاعب على إنشاء هويات جديدة، بل شملت أيضاً تعديل هويات قائمة ومنح صفة المواطنة لأشخاص لا يستحقونها بموجب القانون، مما أدى إلى تشويه قاعدة البيانات السكانية للدولة.

كما كشف التقرير عن وجود نمط من التزوير "الجماعي" حيث تم تسجيل عائلات بأكملها بطريقة غير قانونية، مما يشير إلى أن الأمر ليس مجرد قضايا فردية، بل منظومة فاسدة تمتد لعقود. ويعكس هذا التداخل بين التواطؤ البيروقراطي واستغلال التقنيات الحديثة مدى تعقيد الأزمة التي تواجهها الدولة الليبية في استعادة السيطرة على هوية مواطنيها.

تداعيات كارثية على الانتخابات والأمن القومي

حذرت المؤسسة في تحقيقها من تعريض نزاهة الانتخابات والخدمات السياسية للخطر، جراء استخدام هويات مزورة في التسجيلات الانتخابية. فهذه الهويات الوهمية تمنح أصحابها حق التصويت والتأثير على مصير البلاد، مما يقوض أي مسار ديمقراطي حقيقي. كما أشارت إلى الأضرار المالية الفادحة التي تتكبدها الدولة عبر تقديم دعم حكومي ورواتب للذين يمتلكون وثائق مزورة، مما يثقل كاهل الموازنة الليبية التي تعاني أصلاً من هدر كبير.

وحذر التحقيق كذلك من التأثيرات الأمنية المترتبة على القضية، إذ جرى استغلال الهويات المزورة في عمليات تهريب البشر، وفي الجرائم المنظمة العابرة للحدود، بل وحتى في التهرب من العقوبات القضائية. ويشكل استغلال المجرمين والإرهابيين لهذه الوثائق تهديداً وجودياً للأمن القومي الليبي ودول الجوار، حيث تتيح لهم حرية التنقل والتمويه والاختباء داخل الدولة وخارجها.

سوق سوداء لبيع الهوية الليبية بأسعار متفاوتة

رصد التحقيق مؤشرات مالية قال إنها تكشف بوضوح عن وجود سوق نشط لبيع الهوية الليبية. وتتراوح الأسعار التي وثقها التقرير بين مئات الدنانير وعشرات الآلاف من الدنانير، حيث تختلف الأسعار وفقاً لنوع الخدمة المزورة وسهولة الوصول إلى المناصب أو الامتيازات التي تمنحها الجنسية. وتشمل هذه الأسعار المدفوعة عمليات شطب هويات، أو إضافة أشخاص إلى سجلات عائلات نافذة، أو حتى استخراج جوازات سفر جديدة بشكل فوري.

ويشكل هذا السوق السري خطاً أحمر، حيث يحول الجنسية من حق سيادي مقدس إلى سلعة تباع وتشترى، مما يفقد الدولة هيبتها ويجرد المواطنة الحقيقية من قيمتها. ومع استمرار هذه الممارسات، تصبح الثقة في المؤسسات الرسمية معدومة، مما يغذي حالة الانقسام ويعمق الشرخ الاجتماعي والسياسي في البلاد. ويأتي هذا التحقيق كدعوة مفتوحة للسلطات الليبية والدولية للتحرك العاجل لتفكيك هذه الشبكات وتطهير السجل المدني لضمان مستقبل آمن ومستقر لليبيا.

المصدر: يلا نيوز نت