سر إيلياء المفقود: عبقرية اللسان العروبي "السامي" وثورة التوحيد في وجه الانتحال التاريخي

دراسة تاريخية تكشف الأصول العروبية لاسم إيلياء وأسباب رفض أورشليم عبر العصور

سر إيلياء المفقود: عبقرية اللسان العروبي "السامي" وثورة التوحيد في وجه الانتحال التاريخي
سر إيلياء المفقود: عبقرية اللسان العروبي

بقلم: د. علاء أبوعامر 

في قلب الأرض التي بارك الله حولها، تتشابك خيوط التاريخ واللغة لتصنع هوية مدينة عجز الغزاة عن طمس لسانها الأصيل. لقرون طويلة، روّجت السرديات الاستشراقية الغربية لفكرة أن اسم "إيلياء" ليس سوى هبة رومانية منحها الإمبراطور هادريان للمدينة بعد تدميرها في القرن الثاني الميلادي، واصفين إياها بـ "إيليا كابيتولينا" نسبة إلى سلالته الوعائية. غير أن الفحص الأنثروبولوجي العَميق والفيزياء اللغوية المقارنة يكشفان عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فاسم إيلياء هو الصيغة الجغرافية الممعنة في القدم للجذر العروبي "السامي" الخالص "إيل"، وهو الاسم الأقدم والأرفع للإله الأوحد في الميثولوجيا واللغات العربية القديمة، ليكون الحفاظ العربي المسلم على هذا الاسم شهادة حيّة على وراثة العقيدة الإبراهيمية التوحيدية في أقدس بقاع الأرض، وتعبيرًا عن أنفة تاريخية ممتدة رفضت على الدوام الصيغ الهجينة والدخيلة على فضاء المنطقة (المقدسي، 1987).

تبدأ حكاية المدينة قبل ظهور الروايات الطارئة بقرون، حيث يتبدى جذر "إيل" كقاسم مشترك يربط الجغرافيا الفلسطينية بالوجدان العقائدي العربي والكنعاني الشامل. 

فمن ميناء "إيلة" الأدومي الأنباطي على البحر الأحمر، إلى "بيت إيل" في شمال رام الله، و"بيت أولا" في الخليل، يتجلى هذا اللفظ السامي ليفيد الألوهية والسمو المطلق. ولم تكن القدس ببعيدة عن هذا الفضاء؛ إذ تشير المصادر التاريخية القديمة إلى أن ملكها العربي الكنعاني "ملكي صادق" لم يكن كاهناً لآلهة وثنية متعددة، بل كان كاهناً لـ "إيل عليون"، أي الإله العلي الأوحد، وهو ذاته الإله الذي دان به النبي إبراهيم عليه السلام (الحوت، 2002). 

في المقابل، تجلت أنفة القبائل العربية وسكان المنطقة الأصليين في رفضهم القاطع لاسم "أورشليم" والنفور منه؛ ذلك أن هذا الاسم في حرفية ترجمته اللغوية القديمة يعني "نار الإله شليم" (أور: النار أو اللهب بالصيغ الرافدينية). وهو اسم يرتبط بإله حوري رافديني وفد من شمال بلاد الرافدين، ولم يُعرف في أرض كنعان تاريخياً إلا في البؤر السكنية المعزولة التي استوطنها الحوريون (بشور، 1996). هذا الوجود الحوري القديم في القدس ترك آثاره الإدارية كاسم الحاكم "عبدي هيبا"، لكنه ظل غريباً عن النسيج العربي الموحد المحيط بالمدينة.

وقد بلغت ذروة هذا الصراع الجيوسياسي والثقافي في العصر الأخميني عند عودة الكهنة من سبي بابل؛ إذ حاول هؤلاء العائدون المتأثرون بالثقافة الرافدينية والحورية الترويج لمقولة "الزرع المقدس" وإعادة بناء كيان غريب في القدس يحمل تلك الصبغة المنفصلة عن محيطها. هذه المحاولة أثارت حفيظة وجبهة الرفض العربية المحلية التي كانت تسيطر على وسط وجنوب فلسطين في ذلك الوقت، وتزعمها الملك "جشم العربي" (زعيم قيدار)، بالتحالف الوثيق مع الحكام والسكان العرب المقيمين في السامرة، وأسدود، وبقية مدن الساحل والداخل الفلسطيني (الأسد، 1988). وقد نجح هذا التحالف العربي العريض في إفشال المخطط الكهنوتي البابلي لزمن طويل، وحماية هوية الإقليم من الاختراق، ولم يتمكن العائدون من فرض هذا الكيان وتشييد أسوارهم إلا في وقت لاحق عندما تدخل أحد ملوك الفرس بشكل مباشر وفرض الإرادة الإمبراطورية بقوة السلاح فوق رغبة أصحاب الأرض (عاقل، 1999).وعندما أقدم الإمبراطور هادريان عام مائة وخمسة وثلاثين للميلاد على إعادة بناء المدينة، لم يخترع لفظ "إيليا" من العدم، بل مارس ذات اللعبة السياسية والمزاوجة اللغوية؛ فاستغل وجود الجذر المحلي القديم "إيل" أو "إيليا" الذي تحامى به العرب من مسمى "أورشليم" الحوري البابلي، ليطابق اسمه العائلي اللاتيني (Aelius)، مسهلاً تقبل السكان للاسم الجغرافي الإداري، بينما حمل الشق الثاني "كابيتولينا" دلالة العاصمة والارتفاع أو القمة الكبرى للمدينة. 

والدليل الدامغ على أصالة الأسماء العروبية وتجذرها هو قدرتها الجارفة على البقاء ورحيل الأسماء الدخيلة؛ فكما هزمت "عكا" اسم "بطليموس"، وهزمت "بيسان" اسم "سكيثوبوليس"، وغزة اسم كاديتس، استعادت القدس جلبابها الأصيل واستمسكت باللفظ الذي طابق لسانها وعقيدتها التوحيدية الأولى وعروبتها الضاربة في العمق.

هذا العمق المشترك هو السر الكامن وراء حفاظ العرب المسلمين على اسم "إيلياء" لفترة طويلة بعد الفتح الإسلامي؛ فالإسلام لم ينظر إلى اللفظ بوصفه إرثاً إمبراطورياً وثنياً، بل وجد فيه صدى نقياً للتوحيد الإبراهيمي، وتطهيراً للمدينة من أي امتداد لاسم "شليم" وناره الحورية. وعندما صاغ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وثيقته القانونية والسيادية الكبرى لأهل المدينة، افتتحها بعبارة واضحة لا لبس فيها: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان" (الطبري, 1967). وظل هذا الاسم محفوراً بوعي تام على المسكوكات النقدية الأموية في عهد عبد الملك بن مروان، بوصفه المعرّف الجغرافي والسياسي الرسمي للمدينة النابضة بالقداسة، والقبلة الأولى التي اتجهت نحوها قلوب المسلمين، والمحطة الأرضية معجزة الإسراء والمعراج التي نطق النبي ﷺ باسمها الشائع بين رحالة قريش الذين ترفعوا تاريخياً عن منطوق "أورشليم".

ومع استقرار الهوية الإسلامية وتطور العلوم الإدارية والفقهية، لم يتخلَّ الضمير العربي عن "إيلياء" إلا ليرتقي بها إلى صيغة أشمل وأكثر استيعاباً، وهي "بيت المقدس" ثم "القدس" (الدوري، 2000). هذا التحول اللغوي لم يكن إلغاءً للماضي، بل كان ترجمة قرآنية مباشرة وفصيحة بذات اللسان العربي لذات المفهوم القديم؛ فإذا كانت إيلياء تعني "بيت الله الأوحد"، فإن بيت المقدس تعني "المكان المطهّر والمبارك المخصص لتوحيده وتنزيهه". إنها رحلة اللفظ من عبقرية اللسان العروبي الأول في مواجهة التحريف، وصولاً إلى شمولية البيان القرآني الخاتم، لتبقى المدينة شاهدة بأسمائها المتتابعة على حقيقة واحدة لا تتغير.

إن تفكيك لغز "إيلياء" والوقوف على أسباب الأنفة العربية من اسم "أورشليم" يعيد صياغة تاريخ القدس وفلسطين بلسان أصحابه الشرعيين ووفق موازين القوى التاريخية الحقيقية. فلم يكن بقاء هذا الاسم في العهود الراشدة والأموية مجرد مصادفة إدارية أو تداول عابر، بل كان امتداداً جينياً وثقافياً للموقف الذي وقفه "جشم العربي" وحلفاؤه ضد محاولات الانتحال الحورية- الميتانية القديمة. 

لقد حافظ العرب والمسلمون على اسم مدينتهم المقدسة لأنهم وجدوا فيه هويتهم وعقيدتهم الإبراهيمية الأولى، ليثبتوا للعالم أن القدس لم تكن يوماً نبتة غريبة في جسد الشرق، بل هي جوهر لسانه، وموطن إلهه الأوحد، وحارسة توحيده منذ فجر التاريخ وحتى قيام الساعة.