جناية الترجمة على الجغرافيا: تفكيك لاهوت "حروب إقليم يهودا" ليوسف بن مدد يهوه
تفكيك كتاب يوسف بن مدد يهوه (يوسيفوس فلافيوس) وعنوانه الأصلي (Ioudaikou Polemou)، مستعرضاً جناية الترجمة والاستشراق في تحويل "حرب إقليم يهودا" الجغرافية إلى "حروب اليهود" الدينية، ومسلطاً الضوء على الجذور العربية وسكان الجليل وقبائل حسمى وعلاق بالصراع ضد الإمبراطورية الرومانية.
بقلم: د. علاء أبوعامر
يقف الباحث أمام التواريخ القديمة لبلاد الشام وفلسطين تحديداً مسكوناً بحيرة مريرة، ليس بسبب شح المصادر، بل بسبب غزارة التلفيق الأيديولوجي الذي مارسته المطابخ اللاهوتية والاستشراقية على مدى قرون. إن أكبر خطيئة عانت منها جغرافية المنطقة في القرن الأول الميلادي هي جناية إسقاط مصطلحات الهوية المعاصرة بأثر رجعي على بيئة لم تكن تعرف تلك التصنيفات.
ولعل المثال الأبرز والأكثر فجاجة على هذا التزييف الممنهج هو ما جرى لكتاب المؤرخ المعاصر للأحداث، المؤرخ الفلسطيني العربي " يوسف بن مدد يهوه "، الذي عرفناه في تاريخ البروباغندا الرومانية اللاحقة باسمه المزيف "يوسيفوس فلافيوس" (Josephus Flavius)، بعد أن تبنى اسم عائلة قادته وسادته الأباطرة الرومان (سلالة الفلافيين) كصك أمان لخيانته واستسلامه.
حين خَطَّ "يوسف بن مدد يهوه" مروياته باللغة اليونانية القديمة، لم يكن يكتب لاهوتاً دينياً، بل كان يدون تقريراً عسكرياً سياسياً لإمبراطورية منتصرة. ووفقاً للغة الأصلية، حمل عنوان الكتاب الرسم الآتي: «Ἰουδαϊκοῦ πολέμου»، والذي يُنطق بحروفه اليونانية: «Ioudaikou Polemou».
إن الترجمة الحرفية والمجردة لهذا العنوان في قاموس ذلك العصر هي «حرب إقليم يهودا» أو «الحرب الإقليمية في يهودا»، استناداً إلى النطاق الإداري والجغرافي الضيق لمرتفعات وسط فلسطين الممتدة من ريف بيت لحم إلى رام الله. لكن الترجمات اللاحقة، التي تعاقبت عليها أقلام آباء الكنيسة، وتلاها المستشرقون، وتلقفها الفكر الصهيوني المعاصر، تعمدت تحريف اللفظ الجغرافي الصرف ليتحول في اللغات الأوروبية إلى "حروب اليهود" (The Jewish War)، ضاربة بعرض الحائط كل الحقائق السوسيولوجية والأثرية لتلك الحقبة.
لم يكن "يوسف بن مدد يهوه " مؤرخاً معزولاً عن طين هذه الأرض وعشائرها، فرغم كل محاولاته فيما بعد لادعاء النقاء الأرستقراطي الكهنوتي في أروقة القدس ليمنح نفسه جواز سفر لغوياً وسياسياً أمام الرومان، إلا أن واقعه الميداني كان يربطه بالجليل. ففي بداية الصدام عام ستة وستين للميلاد، عُيِّن هذا الرجل قائداً عسكرياً لإقليم الجليل، وهو الإقليم الذي كان الجغرافي المعاصر "سترابو" يصفه صراحة بـ "الجليل العربي" لكثافة سكانه وعشائره من عاملة واليطوريين والأنباط الذين سكنوا قراه ووديانه.
إن سكان الجليل في ذلك الوقت كانوا عرباً أقحاحاً، فُرِضت عليهم الشريعة الموسوية العربية الحسمية المنشأ والجذور ونواميسها بالقوة العسكرية قبل نحو قرن ونصف من الزمان على يد السلالة الحاكمة التي عُرفت تاريخياً باسم الحشمونائيم. وإذا فككنا هذا الاسم بمقارنته مع اللسان العربي والكنعاني الأصيل، فإنه يتجرد من كل لاهوته الغريب ليُترجم حرفياً إلى "الحِسْمِيِّينَ"؛ نسبة إلى "حَشْمُونَة" الواردة في النص التوراتي التائه، وهي في الجغرافيا الأثرية الحية "صَحْرَاءُ حِسْمَى" الممتدة في شمال الحجاز وجنوب الأردن، موطن ومهد القبائل العربية العدنانية القديمة من قيدار وثمود والأنباط واللحيانيين.
هذا التفكيك الجغرافي يقلب المعادلة كاملة؛ فالحِسْمِيُّونَ (الحشمونائيم) الذين نشروا الشريعة الموسوية بالسيف في الجليل لم يكونوا إثنية منفصلة هبطت من السماء، بل كانوا فصيلاً وعشيرة من عرب الشمال خرجت من رحم حسمى لتسيطر على المركز. وبناءً عليه، فإن الجليليين الذين قادهم "يوسف بن مدد يهوه" قبل أن يبيع قضيتهم، والقبائل التي حشدها "سمعان بن غيورا الجرشي الجذامي"، كانوا من رحم قبائلي وعرقي واحد، يجمعهم هم الجغرافيا واضطهاد المكس الروماني.
يكمن منشأ التحريف الممنهج لعنوان كتاب يوسف (حرب إقليم يهودا) في رغبة المنظومات اللاحقة في اختراع "إثنية دينية موحدة معزولة" لم تكن قد ولدت بعد. فالتاريخ الأثري يؤكد أن "اليهودية الحاخامية" كمنظومة عقائدية وشعائرية ومؤسساتية شاملة لم تتبلور وتستقر تاريخياً إلا بعد القرن الخامس الميلادي في بابل في العراق الحالي، إثر قرون من سقوط "معبد حرد العربي الأدومي" وتشتت السلالات الكهنوتية من الطوبيون العمونيين العرب"، وصعود مدارس الفريسيين المنتصرين الذين صاغوا المشنا والتلمود في طبريا أولاً ولا حقا في بابل التي باتت عاصمتهم الدينية، لإعادة بناء مجتمع ديني بديل مستسلم لروما ومستقل عن جغرافيا الأرض. أما في القرن الأول الميلادي، فكان اللفظ اليوناني (Ioudaios) لا يحمل معياراً فقهياً أو ديانة منظمة، بل كان سمة جغرافية تعني حصراً: "ساكن إقليم يهودا" أو المنتمي للسلالات الأرستقراطيّة الحاكمة في العاصمة، في مقابل سكان الأقاليم الأخرى كالأدوميين، والأنباط، واليطوريين، والجليليين العماليين، والسامريين (كانوا من قبائل ثمود وعيفة وغيرها راجع الحوليات الاشورية).
لقد تلاقت مصالح ثلاثة أطراف تاريخية لتزوير عنوان الكتاب وتحويل الصراع الجغرافي والطبقي إلى معركة دينية وقومية معزولة:
أولاً، المؤسسة الكنسية المبكرة التي كانت تبحث عن مسند لاهوتي يدعم "اللاهوت الاستبدالي". كان آباء الكنيسة بحاجة إلى تصوير دمار القدس عام سبعين للميلاد كعقاب إلهي حتمي نزل بـ "كتلة دينية موحدة اسمها اليهود" لأنهم رفضوا دعوة المسيح. ومن أجل استكمال هذه الحبكة، كان يجب طمس الحقيقة التي تقول إن جيش الثورة بقيادة سمعان بن غيورا الجرشي كان حراكاً قبلياً عربياً وموسوياً شاملاً قادته بطون لخم وجذام والأدب إيليين وقيدار لحساب العدالة الطبقية وإسقاط الديون، وتحويله في السرد الكنسي إلى مجرد "تمرد طائفي ضيق طال قوماً لعنهم التاريخ".
ثانياً، المدرسة الاستشراقية الغربية التي ورثت المعجم الكنسي القديم، ونظرت إلى الشرق من خلال تلسكوب لاهوتي يبحث عن "أرض الكتاب المقدس" بنقائها المفترض، متجاهلة التداخل الديموغرافي واللساني العربي الكنعاني الذي لف المنطقة بأسرها. تبنى المستشرقون مصطلح "حروب اليهود" ليمنحوا الروايات التوراتية المتأخرة شرعية تاريخية على حساب عروبة الجغرافيا وحقائق الآثار الحدودية.
ثالثاً، الحركة الصهيونية المعاصرة التي وجدت في هذا التحريف ضالتها الأيديولوجية الكبرى. التقط الصهاينة العناوين المزورة ليصنعوا منها "تاريخاً قومياً قديماً" وسابقة لثورة دينية وسياسية تبرر سلب الأرض، متنكرين لحقيقة أن الصراع في القدس كان صراع أطراف ناقمة ضد مركز فاسد متواطئ مع الاستعمار الروماني، وليس حرباً لأمة دينية معزولة عن رحمها السامي المحيط.
إن العودة للعنوان اليوناني الأصلي والاسم الحقيقي ليوسف بن مدد يهوه ليس مجرد تدقيق فقهي في الحروف، بل هو هدم لكامل البنية الفكرية السائدة. إنه اعتراف صريح بأن ما دُوِّن كان حرباً على أرض جغرافية محددة تداخلت فيها دماء فلاحي القرى الكنعانية مع حمية فرسان قبائل وقرى شرق نهر الأردن والنقب والجليل العربي، لتشكل انتفاضة أمة الأرض الواحدة واللسان الواحد ضد طغيان الإمبراطورية وأتباعها، وهو التاريخ الحقيقي الذي لا يزال الرمل يحفظ نقاءه في صحراء حسمى ومدين وتلال الخليل وجبال جرش وعجلون.
يبقى كتاب يوسف بن مدد يهوه وثيقة تاريخية حية، لكنه صار بعد قرون من الفلترة الأيديولوجية ضحية لترجمات خائنة كخيانة صاحبه الرومانية. إن إسقاط مصطلح "اليهودية" كدين على أحداث العام السبعين للميلاد هو تلفيق يتصادم مع علم الآثار والجغرافيا السكانية؛ فالصراع كان صراع جغرافيا وهوية وطبقية عاصفة فجرها أبناء الأرض على ضفتي النهر تحت لواء العقيدة الموسوية الطاهرة الممتدة من جبال حسمى العربية الشامية. وحين نقرأ العنوان اليوم بلفظه الأصلي «Ioudaikou Polemou»، فإننا لا نقرأ قصة تمرد طائفي، بل نستمع إلى زفير الجغرافيا الفلسطينية والشامية القديمة وهي تصرخ بحريتها في وجه قياصرة روما وسماسرة المعبد العربي " معبد حرد الأدومي"، معلنة أن الحقوق لا تموت بالتزوير، وأن السلاسل لا تقدر على حبس روح التراب الأصيل.