بلقيس: سيدة الشمال وعرش البخور المعلق

الحقيقة التاريخية والجغرافية لملكة سبأ بلقيس وعرشها المعلق بين شمال الجزيرة العربية وتخوم القدس ودور الملكات العربيات في التاريخ.

بلقيس: سيدة الشمال وعرش البخور المعلق
بلقيس: سيدة الشمال وعرش البخور المعلق

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في دهاليز التاريخ المنسي، وخلف غبار القوافل التي قطعت فيافي الجزيرة العربية، تلوح امرأة غامضة، ملكة نازعت الملوك حكمهم، وناظرت الأنبياء في حكمتهم. إنها "بلقيس"، الشخصية التي أثارت فضول الرواة وسكنت الذاكرة الجمعية للشعوب. لكن، أين كان مستقر ذلك العرش الذي اهتزت له أركان القدس في عصر سليمان شبه الأسطوري؟ هل كانت يمانية سدية كما ألفنا في مرويات الإخباريين، أم أن الرواية الحقيقية تكمن في مكان آخر، هناك في الشمال الأقصى حيث تنبض الأرض بالتشريع وتتقبل السيادة من يد النساء؟

تبدأ الحكاية من قراءة مغايرة للحوليات الآشورية، تلك النصوص الصارمة التي رصدت حركات الممالك والقبائل بكثير من الضبط والمشاهدة. في عهد ملوك آشور العظام، لا نجد ذكراً لسبأ قاصية غارقة في فياض الخضرة بـ"اليمن"، بل نراها ككيان ومملكة تتجاور مع الملوك والملكات العربيات في شمال غرب الجزيرة العربية وبادية الشام. إن عين المخابرات الآشورية لم تخطئ جغرافيتها؛ بل كانت ترصد "سبأ الشمالية"، ذلك الامتداد التجاري والقبلي البارز، أو تلك المستوطنات الكبرى التي أقامها السبئيون على طول طريق البخور ليتحكموا بمفاصل التجارة العالمية المتجهة صوب الشام والرافدين.

في هذا الفضاء الشمالي، لم يكن حكم المرأة طفرة أو استثناءً تفرضه الظروف المعيشية، بل وثقت الدواوين الملكية في نينوى سلالات كاملة من الملكات الحاكمات اللواتي أدرن دفة السياسة والحرب. نجد بين السطور أسماء لافتة مثل الملكة "زبيبة" ملكة قيدار (اتحاد قبائل أريبي) التي أدت الجزية لتغلات بلاسر الثالث تأميناً لتجارتها، والملكة "شمسة" التي خلفته وقادت تمهيداً عسكرياً جريئاً ضد آشور. كما برزت الملكة "يثيعة" التي ساندت الثورة البابلية ضد سنحاريب بجنودها، والملكة الكاهنة "تيلو" (تيلهونو) التي حكمت من "أدوماتو" (دومة الجندل)، تلك العاصمة الدينية والسياسية للعرب التي شهدت أيضاً تنصيب الملكة "تبوعة" برعاية آشورية، وصولاً إلى الملكة "عاديا" التي ثارت خيامها بوجه آشور بانيبال.

هذا التواتر الحاكم لم يكن وليد صدفة، بل كان موروثاً تشريعياً وحضارياً ضارباً في القدم. فلو عدنا قروناً إلى الوراء، وقرأنا نقوش "أوغاريت" على الساحل السوري، لوجدنا نصوصاً قانونية مذهلة تمنح المرأة حق الملكية الفردية والمساواة في الميراث والشهادة أمام المحاكم، جنباً إلى جنب مع منصب "الملكة الأم" (مثل ثاريلي وأهات ميلكو) التي تدير شؤون الدولة الدبلوماسية والعسكرية.

هذا النسيج القانوني الشمالي تواصل بوضوح مدهش عبر العصور ممتداً إلى الفضاء الفلسطيني والنبطي؛ فرأينا الملكة الفلسطينية ألكسندرا سالومي والملكة الفلسطينية الأدومية برنيس، وصولاً إلى العصر الميلادي مع "زنوبيا" ملكة تدمر وهي تقود الجيوش بوجه روما، و"ماوية" ملكة تنوخ التي فرضت شروطها عسكرياً على الإمبراطورية البيزنطية. إنها ثقافة جغرافية كاملة حاضنة للسيادة الأنثوية، على عكس جنوب الجزيرة الذي شحت نقوشه الرسمية القديمة عن توثيق امرأة تحكم منفردة بلقب "ملك".

ولم يكن قلب الجزيرة وحواضر الحجاز بمنأى عن هذا الامتداد الحضاري؛ فقبيل الإسلام صاغت بيئة مكة نمطاً اقتصادياً مستقلاً للمرأة تجسد في السيدة خديجة بنت خويلد التي أدارت واحدة من أكبر المؤسسات التجارية في قريش عبر عقود محمية بالعرف والقانون. وفي اليمامة، قادت "سجاح بنت الحارث" جيوشاً من كبريات القبائل الشمالية كبني تميم وتغلب، حيث انصاع المقاتلون والزعماء لرايتها السياسية والروحية دون غضاضة، مما يؤكد أن العقلية العربية الشمالية كانت مهيأة بنيوياً لتقبل القيادة النسائية المطلقة.

هنا يبرز المفتاح اللغوي الأكثر إثارة، والذي احتفظت به التقاليد الإخبارية العربية في الاسم المركب للملكة: (بلقيس). إذا فككنا هذا اللفظ وفق لغات الشام والجزيرة السامية، نجده نحتاً لغوياً عبقرياً يتكون من (بعل/بل) وتعني سيدة أو حاكمة، و(قيس) وهي القبيلة والرمز العربي الشمالي الشهير (قيس عيلان). بلقيس، في حقيقتها اللغوية، هي "بعلة قيس" أو سيدة قبائل قيس الشمالية. وهذا التفسير المستقيم يصمد تماماً أمام عجز الإخباريين العرب القدامى الذين حاولوا يائسين تخريج الاسم من اللغة الحميرية الجنوبية، فخرجوا بتفسيرات شعبية متكلفة مثل قولهم إنها سميت بذلك لأن قومها قالوا "تسير بالقياس".

إن إعادة قراءة قصة بلقيس من خلال دمج خيوط الحوليات الآشورية بملكاتها الشهيرات (زبيبة وشمسة ويثيعة وتيلو وتبوعة وعاديا)، والتقاليد التشريعية في أوغاريت، والموروثات القبلية الشمالية، يقودنا إلى جملة من الاستنتاجات الحاسمة:

 أولاً: إن ملكة سبأ المذكورة في العهد القديم، والتي زارت الملك سليمان في القدس، تنتمي بـالبنية السياسية والجغرافية إلى الفضاء الشمالي للجزيرة العربية. هذا التفسير يرفع مشقة جغرافية رحلة الـ 2000 كيلومتر من اليمن، ويتناغم مع "ظاهرة الملكات العربيات" اللواتي حكمن المحطات التجارية على أطراف الشام وفلسطين.

ثانياً: الاسم "بلقيس" هو لقب سياسي ذو جذر لغوي شمالي (بعلة قيس)، يربط الملكة مباشرة بجماعة قبلية ونطاق جغرافي عدناني، وهو ما عجزت اللسانيات الحميرية الجنوبية عن استيعابه أو تفسيره بشكل طبيعي.

ثالثاً: إن إصرار الروايات الإخبارية اللاحقة (بعد الإسلام) على نسب بلقيس لليمن والعرش الحميري، كان محاولة تسييس تاريخية قادها رواة ومؤرخون يمانيون (مثل وهب بن منبه) تهدف إلى جلب المجد القرآني والتوراتي لهذه الملكة العظيمة ودمجه بالهوية السبئية الجنوبية، مستغلين التشابه الاسمي بين "سبأ الشمالية" (الشبكة التجارية والعشائرية) و"سبأ الجنوبية" (المملكة المستقرة في مأرب).

بلقيس إذاً، لم تكن مجرد أسطورة عابرة، بل كانت الابنة الشرعية لثقافة قانونية وسياسية امتدت من أوغاريت إلى بادية الشام، سيدة تجارة وقبائل، وعرشها لم يكن معلقاً في أقاصي اليمن، بل كان قريباً من تخوم القدس، يمسك بزمام القوافل ويصنع التاريخ بلغة الشمال.