الخديعة الكبرى.. كيف حوّلت بريطانيا "الأمانة المقدسة" في فلسطين إلى نكبة ممتدة؟

كيف حوّلت بريطانيا فلسطين من أمانة مقدسة تحت الانتداب إلى نكبة ممتدة عبر استراتيجيات الاستعمار الخفي والالتفاف على القوانين الدولية.

الخديعة الكبرى.. كيف حوّلت بريطانيا "الأمانة المقدسة" في فلسطين إلى نكبة ممتدة؟
الخديعة الكبرى.. كيف حوّلت بريطانيا

بقلم:د. علاء أبوعامر 

حين يقلب الباحث في دفاتر التاريخ المعاصر صكوك الحكم والسيادة، يستوقفه على غلاف الوثائق الرسمية لحكومة فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين شعار النبالة الملكي البريطاني؛ الأسد المتوج ووحيد القرن يحرسان درع التاج، تتوسطهما أحرف الملك جورج. هذا الرمز الإمبراطوري المهيب، الذي يتبادر إلى الأذهان فوراً كعلامة على "استعمار" بريطاني تقليدي، يخفي خلف بريقه واحدة من أكبر الخدع القانونية في التاريخ الحديث. فالواقع الذي تدعمه الوثائق الدولية يؤكد أن فلسطين لم تكن يوماً مستعمرة بريطانية بالمعنى القانوني، بل كانت إقليماً موضوعاً تحت الوصاية الدولية المؤقتة، أو ما عُرف بنظام الانتداب.

هذا التمايز ليس ترفاً لغوياً، بل هو الترس الفكري الذي دارت في فلكه مأساة شعب. فالمستعمرة في عرف القانون الدولي القديم هي امتداد جغرافي وسيادي للدولة المستعمرة، تذوب فيها الهوية المحلية وتصبح الأرض ملكاً خالصاً لعرش الإمبراطورية، ويتحول سكانها إلى "رعايا" تلتزم الدولة بحمايتهم ومنحهم وثائقها. أما فلسطين، فقد أُدرجت عام 1919 ضمن الفئة "أ" من نظام الانتداب تحت مظلة عصبة الأمم، وهي الفئة المخصصة للأمم والمجتمعات التي انسلخت عن الدولة العثمانية وبلغت مرحلة من النضج تؤهلها للاعتراف بوجودها كدول مستقلة بشكل مؤقت، على أن يقتصر دور الدولة المنتدبة على تقديم المشورة والمساعدة الإدارية حتى تقف على قدميها.

لقد وصفت المادة الثانية والعشرون من ميثاق عصبة الأمم هذا النظام بأنه "أمانة مقدسة في عنق الحضارة"، ونصت صراحة على أن السيادة في أراضي الانتداب لا تنتمي للدولة المديرة (بريطانيا)، بل تظل كامنة ومحفوظة للشعب الخاضع للوصاية حتى نيل استقلاله. ومن هنا، استحدثت بريطانيا "الجنسية الفلسطينية" المستقلة عام 1922 لتؤكد هذا الفصل القانوني، وكانت تصدر جوازات السفر وتدير العلاقات الخارجية للفلسطينيين بصفتها "وكيلاً إدارياً مؤقتاً" لا مالكاً للأرض.

لكن المأساة الفلسطينية ولدت من رحم المفارقة الصارخة بين النص والمنفذ؛ إذ مارست بريطانيا على الأرض بطش المستعمر وجبروته، بينما تحصنت في المحافل الدولية بعباءة الوصي المؤقت. وبدلاً من قيادة الشعب الفلسطيني نحو الاستقلال كما تقتضي الأمانة الدولية، قامت بتضمين "وعد بلفور" في صلب صك الانتداب، وسخرت جهازها الإداري والعسكري لتسهيل الهجرة الصهيونية وبناء مؤسسات شبه حكومية وعسكرية للمستوطنين الجدد، في وقت قمعت فيه بالقوة أي محاولة للفلسطينيين لبناء كيان وطني مستقل.

وحين اكتملت فصول الهجرة واشتعلت الأرض، استخدمت بريطانيا صفتها القانونية كـ "وصي مؤقت" لتنفذ انسحاباً مفاجئاً ومأساوياً في الخامس عشر من مايو عام 1948، تاركة خلفها فراغاً سياسياً وأمنياً مكن الميليشيات الصهيونية من إعلان دولتها وتشريد السكان الأصليين. وبجرة قلم، نفضت لندن يدها من المسؤولية القانونية والمادية، وتذرعت بقوانينها المحلية بأن الفلسطينيين لم يكونوا يوماً رعايا بريطانيين ل يستحقوا حمايتها أو جنسيتها بعد انتهاء ولايتها.

وفي المحصلة، يظل الفارق القانوني بين المستعمرة والوصاية هو المفتاح لفهم استمرارية القضية الفلسطينية؛ فبريطانيا لم تترك وراءها بلداً نال استقلاله ثم تعثر، بل تركت "أمانة دولية" خانت عهدها وسلمتها لمحتل جديد من صنائعها هو العصابات الإرهابية الصهيونية التي جُلبت من وراء البحار. وبما أن السيادة الفلسطينية لم تنتقل يوماً لبريطانيا ولم تُلغَ بنظام الانتداب، فإن كل ما نتج عن ممارسات عام 1948 لا يعدو كونه غصباً لسيادة قائمة ومعترف بها دولياً منذ عهد عصبة الأمم، مما يجعل النكبة جريمة سياسية مستمرة تلتزم القوى الدولية بتصحيحها، وليس مجرد حدث عابر طواه الزمن.