حجر ينطق.. وصمت يتبدد
اكتشافات أثرية حديثة في الأردن وشمال الجزيرة العربية تنسف أسطورية عاد وثمود وإرم وطسم عبر الحجارة والنقوش
بقلم: د. علاء أبوعامر
تحت خيمة سماء جافة تكاد توصد أبوابها على أسرار غابرة، طالما تعامل الفكر النقدي المستعجل مع أسماء مثل "عاد"، و"ثمود"، و"إرم"، و"طسم" باعتبارها طيفاً أسطورياً ومجازات لغوية ولدت في مخيلة رواة الصحراء. ساد لقرون منطق استباقي يجزم بأن غياب الدليل المادي في لحظة تاريخية معينة هو دليل قاطع على عدم الوجود، فاتكأ الدارسون على أحكام قطعية أغلقت نوافذ الاحتمال، مفترضين أن رمال الجزيرة وبادية الشام لا تخفي سوى الصمت.
غير أن معاول علم الآثار الحديث، وعيون الباحثين الميدانيين بين صخور البازلت والرمال، أبت إلا أن تشهد بأن الأرض أذكى وأصدق من تعميمات النفي. فالتاريخ المادي لا يخضع لأهواء القطيعة الفكرية، والحجر إذا تحدث فإنه يسقط كل الفرضيات التي استعجلت إعدام الرواية.
ففي مفازات البادية الشمالية الأردنية، وتحديداً من صخور المفرق، خرجت النقوش لتكشف بصريح الحرف عن أثر قبيلة "طسم" التاريخية، مخرجة إياها من دائرة التكهن إلى رقعة الواقع الجغرافي. ولم تكن صحراء "حسمى" الجنوبية بأقل إفصاحاً؛ إذ تنفست صخورها الرملية الشاهقة لتبرز معبد "الورافة" ونقوشه العميقة التي حملت شواهد تاريخية صريحة ترتبط بمفردات وجذور "إرم"، متكاملة مع ما خطته أيادي الأقوام السابقة في دروب التجارة القديمة.
ولم تقتصر المفاجأة على ذلك، بل تكشفت في ذات التضاريس لتعكس إشارات صريحة لاسم "عاد" في جنوب الأردن وحسمى، متناغمة مع الأرشيف الأثري الهائل لنقوش "ثمود" المنتشرة كعقد من النجوم على صخور شمال الجزيرة العربية، حيث دوّن الآلاف من أبناء تلك الحضارات أسماءهم ومعتقداتهم ولغاتهم بخط المسند الشمالي. هذه النقوش لم تكن مجرد حروف مبعثرة، بل كانت وثائق حية ومادية نسفت الفرضية القائلة بأن تلك الأمم البائدة لا تعدو كونها رموزاً خيالية.
إن الحفر في أديم الأرض ليس مجرد عملية تنقيب عن أحجار صماء، بل هو إعادة اعتبار لذاكرة بشرية كاملة حاول البعض طمسها استعجالاً وغروراً. لقد أثبتت المكتشفات الأثرية الحديثة أن رمال الصحراء لا تموت، بل تحفظ في أحشائها شواهد تنطق بالحقائق متى ما وجد العقل المتبصر والجهد الميداني الصادق.
وفي هذا السياق، تبرز استنتاجات عميقة تلخص مشهد التاريخ المادي:
بطلان استعجال النفي: إن غياب الدليل الأثري في زمن ما لا يعني البتة عدم وجود الحقيقة، بل يعكس قصور أدواتنا المؤقتة عن بلوغها.
حيادية الصخور: النقوش المكتشفة في المفرق وحسمى وشمال الجزيرة تثبت أن الجغرافيا والآثار هي الحكم الأعدل في مواجهة التعسف النظري والاستشراقي.
تجدد المعرفة التاريخية: إن كل حجر يكتشف وكل نقش يفك طلاسمه هما بمثابة تصحيح لجرة قلم ظالمة، يؤكدان أن التاريخ البشري أوسع وأعمق بكثير مما تحصره المدونات اللاحقة.