سقوط التفويض الأممي: قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية لخطاب مجلس السلام تجاه الأونروا

قراءة سياسية وقانونية في خطاب مجلس السلام حول تفكيك الأونروا وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، بقلم د. علاء أبوعامر..

سقوط التفويض الأممي: قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية لخطاب مجلس السلام تجاه الأونروا
سقوط التفويض الأممي: قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية لخطاب مجلس السلام تجاه الأونروا

بقلم:د. علاء أبوعامر 

لم يعد التلويح بإقصاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد خلاف تقني حول آليات توزيع المساعدات أو كفاءة الإدارة الميدانية في قطاع غزة، بل بات يشكل تحولاً استراتيجياً خطيراً يعكس إرادة سياسية واضحة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني وفق محددات أمنية تقصي البعد القانوني والتاريخي للقضية. إن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مجلس السلام، والتي وصمت الوكالة بأنها لا تستوفي معيار الشريك الموثوق وربطت أي تعامل معها باشتراطات أطلقت عليها نزع التطرف، تمثل تجاوزاً صريحاً لولاية دولية منحتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم ثلاثمائة واثنين. وهذا الخطاب لا يتحرك في فراغ سياسي، بل يتقاطع بشكل عضوي ومباشر مع المسعى الصهيوني التاريخي الرامي إلى تفكيك هذه المؤسسة الأممية، باعتبارها الشاهد الدولي الوحيد والضامن القانوني لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، مما يجعل من محاولات تهميشها مدخلاً لتصفية المرجعية القانونية للقضية برمتها.

من الناحية القانونية، إن محاولة إخضاع مؤسسة تابعة للأمم المتحدة لشروط سياسية وأمنية تفرضها أطراف خارجية أو قوى احتلال يعد انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يضمن استقلالية المنظمات الدولية وحصانتها من التدخلات السياسية. إن استبدال مصطلح التفويض الدولي بمعايير مطاطية مثل الشريك الموثوق أو نزع التطرف يهدف بالأساس إلى نزع الشرعية عن الوكالة، وتحويل العمل الإنساني من حق مكفول بموجب الاتفاقيات الدولية إلى أداة للابتزاز السياسي والمساومة الأمنية. إن هذا المسار يؤسس لسابقة خطيرة في العلاقات الدولية، حيث تُمنح الهياكل السياسية المستحدثة أو سلطات الاحتلال الحق في تحديد هوية من يقدم الإغاثة، وكيفية إدارتها، مما يفرغ الحماية الدولية الممنوحة للاجئين من مضمونها القانوني، ويحول شبكة المؤسسات الخدمية في غزة إلى كيانات تُدار بالوكالة وفق شروط أمنية تخدم مصالح الاحتلال على حساب الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.

وفي الأبعاد السياسية، يكشف هذا التوجه عن محاولة لخلق واقع جديد في قطاع غزة يرتكز على عزل القضية الإنسانية عن سياقها السياسي التحرري. فالأونروا لم تكن يوماً مجرد موزع للمساعدات التموينية، بل هي تجسيد حي للمسؤولية الدولية تجاه مأساة اللجوء الفلسطيني منذ عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف. وبالتالي، فإن محاولة إخراجها من المشهد واستبدالها بآليات إغاثية هجينة ومجردة من أي تفويض سياسي مستقل يعكس رغبة في تحويل قطاع غزة إلى سجن إنساني يدار بآليات ضبط أمنية تحت مسمى المساعدات. والأخطر في هذا المسار هو التناقض الميداني؛ حيث تدرك الأطراف الساعية لإقصاء الوكالة في الكواليس أنه لا يمكن إيجاد بديل يمتلك البنية التحتية والخبرة العملياتية للأونروا، ومع ذلك يتم الإصرار على الخطاب الإقصائي في العلن لدفع النظام الدولي نحو القبول بالأمر الواقع وتجريد الفلسطينيين من آخر حصون تمثيلهم الأممي المستقل.

وختاماً، يمكن القول إن ما يجري اليوم تحت غطاء تصريحات مجلس السلام ليس مجرد عملية إعادة هيكلة للمساعدات الإنسانية، بل هو هجوم سياسي وقانوني منظم يستهدف ركائز القضية الفلسطينية. إن القبول بتهميش الأونروا أو تصفية وجودها في غزة تحت أي ذريعة أمنية يعني القبول بإنهاء الشاهد الدولي على قضية اللاجئين، وتكريس سلطة احتلال تحدد شروط الحياة والبقاء وفق مصالحها الأمنية الخاصة. إن مواجهة هذا المسار تتطلب تمسكاً حازماً بالتفويض الأممي للوكالة، واعتبار استمرار عملها خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، لأن المعركة هنا ليست على كيس طحين، بل هي معركة تثبيت الحق القانوني والتاريخي لشعب يرفض الشطب والنسيان.