ظلال القباب فوق رمال الخليج: رقصة أبوظبي بين نيران طهران وحسابات تل أبيب

قراءة تحليلية في سياسة أبوظبي الخارجية وتوازن علاقاتها المعقدة بين إيران وإسرائيل وحسابات الإقليم

ظلال القباب فوق رمال الخليج: رقصة أبوظبي بين نيران طهران وحسابات تل أبيب
ظلال القباب فوق رمال الخليج: رقصة أبوظبي بين نيران طهران وحسابات تل أبيب

بقلم:د. علاء أبوعامر 

تتحرك الدبلوماسية في منطقة الخليج اليوم كمن يمشي فوق حبل مشدود بين هاويتين، حيث لم يعد هناك مكان للمواقف الحاسمة أو الولاءات المطلقة. في هذا الفضاء المزدحم بالطائرات المسيرة، ورادارات الإنذار المبكر، وصهاريج النفط التي تعبر مضيق هرمز تحت جفون القلق، صاغت دولة الإمارات العربية المتحدة لنفسها لغة سياسية جديدة، تبدو في ظاهرها متناقضة، لكنها في عمقها تعبير صارخ عن براغماتية البقاء. 

حين فتحت أبوظبي أبوابها للرياح القادمة من تل أبيب، وظللت سماءها بمنظومات دفاعية إسرائيلية، ظن الكثيرون أن الخيارات قد حُسمت، وأن خطوط المواجهة في المنطقة قد رُسمت بالحبر الأحمر. لكن المشهد سرعان ما تبدل؛ فالطائرات الإماراتية عادت لتعبر الأجواء الإيرانية، وقنوات الاتصال مع طهران التي لم تُغلق تماماً، باتت اليوم تنبض بحيوية اقتصادية وسياسية لافتة. هذا المشهد المزدوج يثير خلف الكواليس عاصفة من التساؤلات والشكوك لدى الجيران والحلفاء على حد سواء. 

في تل أبيب، يتسلل قلق صامت وممزوج بالعتب؛ فالكيان الذي اعتقد أنه بنى تحالفاً استراتيجياً متيناً لعزل إيران، يرى اليوم الشريك الخليجي يفتح مساحات للمناورة والتهدئة مع الخصم التاريخي. يدرك المسؤولون هناك أن أبوظبي لا تقطع الحبال معهم، لكنها ترفض بشكل قاطع أن تحترق بنيران صراع ليس لها فيه ناقة ولا جمل. الاقتصاد الإماراتي، بناطحات سحابه، وموانئه العالمية، وحركة طيرانه التي لا تنام، يحتاج إلى الاستقرار كمادة حيوية للاستمرار، وأي شرارة عسكرية في الممرات المائية تعني ببساطة شلل هذا النموذج الاقتصادي الفريد. 

على الجانب الآخر من الخليج، ترقب طهران هذا المشهد بعيون حذرة ولا تصدق الوعود بسهولة. فالتحذيرات الإيرانية من التغلغل الاستخباراتي والعسكري الصهيوني على مقربة من سواحلها لم تتوقف، وثقتها بالرسائل التطمينية تظل مشوبة بالريبة. لكن طهران، المحاصرة بالعقوبات، تجد نفسها مضطرة أحياناً لمجاراة هذه اللعبة؛ فدبي تظل شرياناً مالياً وتجارياً لا غنى عنه للتنفس، والتهدئة مع الإمارات تمنع تشكيل جبهة خليجية موحدة ضدها. 

هذا التناقض الصارخ لا يثير ريبة إيران فحسب، بل يمتد ليزعج الجيران في الرياض ومسقط والدوحة، الذين يرون في هذه التحركات المنفردة تغريداً خارج السرب الخليجي، ومحاولة لبناء أمن ذاتي على حساب التوازنات الجماعية. وتكتمل الصورة تعقيداً حين تلتفت العين نحو الشرق، حيث المحور المتنامي بين أبوظبي ونيودلهي، والذي يثير قلق إسلام آباد التي ترى في هذا التحالف، المدعوم بتكنولوجيا إسرائيلية وممرات تجارية بديلة، محاولة لتجاوزها وعزلها اقتصادياً. 

إنها رقصة سياسية معقدة على إيقاع طبول الحرب وحسابات الأرقام. فالجميع في هذه الرقعة الجغرافية الضيقة يخفون خناجرهم وراء الابتسامات الدبلوماسية، ويتعاملون مع التناقضات كأمر واقع لا مفر منه. الإمارات تراهن على أن قوتها المالية وجاذبيتها الاقتصادية ستجبر الجميع على قبول شروطها، والتعايش مع وجود إسرائيل في أرضها، ومع وجود طهران في حساباتها. 

وفي نهاية المطاف، يتضح أن ما يجري في الخليج ليس تحالفاً أبدياً ولا قطيعة نهائية، بل هو صراع من أجل التموضع واستشراف المستقبل. لقد غادرت المنطقة زمن الأيديولوجيات والشعارات الرنانة، ودخلت عصر "الواقعية القاسية"، حيث تبحث كل دولة عن طوق نجاة خاص بها وسط تلاطم الأمواج، وتظل الحقيقة الوحيدة الثابتة تحت شمس الخليج هي أن المصالح وحدها تملك القدرة على جمع الأنقاض وصياغة التحالفات، مهما بدت متناقضة أو مستحيلة.