الموقف التاريخي والتحالف العضوي: دلالات التضامن الإيرلندي الفردي في مواجهة «التطبيع» العربي
قراءة تحليلية في دلالات التضامن الإيرلندي الفردي والشعبي مع فلسطين، مقابل سقوط بعض الأنظمة في فخ التحالف العضوي مع الكيان.
بقلم: د. علاء أبوعامر
تشهد الساحة الدولية المنقسمة على ذاتها مخاضًا أخلاقيًا وسياسيًا غير مسبوق، تنكشف فيه معادن المواقف الإنسانية وتتساقط الأقنعة عن أنظمة رهنت إرادتها في فلك التبعية الكاملة. وفي غمرة حرب الإبادة الجماعية التي يشنها جيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، برزت مفارقة صارخة لخصت مشهد الصراع العالمي بين الوعي الإنساني المناهض للظلم، وبين التماهي المطلق مع الجلاد؛ تجسدت أولاها في خطوة حارس مرمى منتخب إيرلندا، غافين بازونو، الذي رفض المشاركة في مباراتي فريقه أمام منتخب الكيان، وثانيتها في المشهد المخزي لبعض الدبلوماسيين العرب الذين أصروا على الاستماع لخطاب مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت انسحب فيه ممثلو نحو مئة دولة حول العالم.
إن موقف اللاعب الإيرلندي، وما تبعه من نقاشات صاخبة داخل أروقة منتخبه أدت إلى تأجيل التدريبات والمؤتمرات الصحفية، يحمل دلالة سياسية بالغة الأهمية. فالخطوة لم تكن مجرد تعبير فردي عن التعاطف، بل تحولت إلى حراك جماعي دفع أغلبية الفريق لإعلان اتخاذ إجراءات احتجاجية مثل ارتداء الشارات السوداء والامتناع عن المراسم التقليدية قبل المباراة. هذا الموقف القادم من عمق القارة الأوروبية، ومن دولة عانت تاريخيًا من الاستعمار والاضطهاد، يثبت أن القضية الفلسطينية باتت تمثل البوصلة الأخلاقية لأحرار العالم، وأن مقاطعة هذا الكيان الغاصب أصبحت واجبًا قيميًا يتجاوز حدود الجغرافيا والدين والسياسة التقليدية ليدخل في صلب الأنشطة الرياضية والثقافية.
في المقابل، وعلى النقيض تمامًا من هذا المد التضامني العالمي، يقف مشهد قاعة الأمم المتحدة كاشفًا لعمق السقوط السياسي لبعض الأنظمة العربية. فبينما كان ممثلو المجتمع الدولي يغادرون القاعة تباعًا تعبيرًا عن رفضهم لاستضافة مجرم إبادة جماعية تلاحقه القوانين والمحاكم الدولية، اختارت وفود ثلاث دول عربية البقاء والإنصات لخطابه الملطخ بدماء الآلاف من الأطفال والنساء. هذا السلوك يتجاوز في حقيقته حدود "التطبيع التقليدي" أو المناورات الدبلوماسية العادية، ليدخل في طور "التحالف العضوي الكامل"؛ وهي مرحلة من الشراكة التامة مع الكيان في المجالات الأمنية، العسكرية، والسياسية، تجعل من هذه الأنظمة شريكة في التغطية على الجرائم وتبريرها، بل وتفضيل روابطها مع الاحتلال على حساب الدم العربي المسفوك والعمق الاستراتيجي القومي.
إن هذه المقارنة الصادمة تضع التناقض الراهن تحت مجهر التاريخ؛ فبينما تضطر مباريات منتخب الكيان للنقل إلى ملاعب محايدة في المجر وصربيا وخلف أبواب مغلقة هربًا من الغضب الشعبي والرفض القاطع، وبالموازاة مع اضطرار الكيان لعزل نفسه رياضيًا وسياسيًا نتيجة مواقف شجاعة كموقف بازونو، تندفع عواصم عربية لتأمين الغطاء السياسي والتحالف المتين مع هذا الكيان المأزوم، مما يعكس فجوة سحيقة بين الوعي الشعبي العالمي والعربي من جهة، وبين خيارات النخب الحاكمة المتماهية مع الاحتلال من جهة أخرى.
إن التاريخ لا يرحم، وصفحاته تسجل بدقة من انحاز للإنسانية ومن ركع أمام عروش الاستبداد والإبادة. إن موقف الرياضي الإيرلندي ومقاطعة مئات الدبلوماسيين لخطاب نتنياهو يؤكدان أن الكيان يمر بأكبر حالة عزلة أخلاقية في تاريخه، وأن محاولات شرعنته قد سقطت في وعي الشعوب. أما تلك الأنظمة التي اختارت الانزلاق إلى مستنقع التحالف الكامل مع الاحتلال، فلن تجني من هذا الرهان الخاسر سوى عزلة شعبية داخل محيطها، ووصمة عار أبدية ستبقى تلاحقها كلما ذُكرت تضحيات الشعب الفلسطيني ودماء شهدائه المعمدة بالحق والكرامة.