في مديح الحرية: رحلة الاسم بين صحاري المغارب وسواحل كنعان
رحلة ملهمة في اسم الأمازيغ بين روايات ابن خلدون التاريخية وجذور كنعان واللغة الفلسطينية، وكيف توحدت المعاني عند شاطئ الحرية والإنعتاق.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تتداخل مسالك التاريخ في شمال إفريقيا تداخل رمالها، ويظل اسم "الأمازيغ" لغزاً جميلاً يتأرجح بين عبق المشرق وأصالة المغرب. حين تفتح دفاتر الإخباريين العرب، تجدهم قد نسجوا حول هذا الاسم سلاسل من ذهب الأنساب؛ فهذا العلامة ابن خلدون يصدح في "تاريخه" بعبارة حاسمة صاغت وجدان تلك العصور حين قال: *"والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم، أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح... وأن اسم أبيهم مازيغ"*. لم يكن وحده في هذا الدرب، بل سبقه المؤرخ ابن حزم الأندلسي في "جمهرة أنساب العرب" مشيراً إلى "مازيغ" كأصل تليد تتفرع منه قبائل زناتة وغيرها، وجاء من بعدهم الناصري في "الاستقصا" ليوثق هذا الرابط السحري الذي جعل من الأمازيغ وإخوة المشرق غصوناً في شجرة واحدة نبتت جذورها في أرض كنعان الأولى.
لكن الأرض المعطاءة ترفض أحياناً أن تُنسب لغير رحمها. فإذا سألت جبال الأطلس الشامخة وسكان تلك الديار، وجدّتهم ينفضون غبار الأنساب التوراتية المشرقية عن اسمهم. يصرّ الأمازيغ على أن "الأمازيغية" ليست بضاعة مستوردة من موانئ الفينيقيين ولا من فيافي الشام، بل هي منحوتة من صخور بلاد تمازغا الأصيلة. الاسم عندهم نابع من جذرهم المحلي (م-ز-غ)، وله هتاف واحد تردده الأجيال: "الأمازيغ" هم "الرجال الأحرار"، والنبلاء الذين لا يركعون لقيد، والشجعان الذين يصنعون من الريح لغة ومن الحرية وطناً. الاسم بالنسبة لهم هو التسمية الذاتية النابعة من وعي الأرض بذاتها، بعيداً عن كنعان وملاحمها.
وعلى الرغم من هذا الاعتزاز بالمحلية، يشاء القدر اللغوي أن يحيك خيطاً سرياً يربط المغرب بالمشرق من جديد، في مفارقة مدهشة تجد تبريرها في عبقرية اللغات واللهجات المشتركة. ففي فلسطين، أرض الكنعانيين الأوائل، لا تزال الذاكرة الشعبية واللهجات الدارجة تحتفظ بالجذر ذاته كأنه وميض من نار قديمة. هناك، في قراها وحواضرها، إذا أرادوا وصف شخص أفلت من قيد، أو انطلق بسرعة البرق، أو نفض عنه غبار الأسر، قالوا: "فلان مَزَعَ" أو "مَزَغَ"؛ أي تحرّر وهرب وأصبح طليقاً لا حابس له.
وهكذا تلتقي الحكايات في نهاية المطاف؛ سواء كان الاسم مشرقياً ترحل به الركبان كما قال ابن خلدون، أو كان نداءً محلياً خالصاً لرجال الأطلس الأحرار، فإن المعنى يظل واحداً ثابت الأركان. تتوحد السيناريوهات لتؤكد أن "الأمازيغي" و"المَزْعَ" الفلسطيني يلتقيان عند شاطئ واحد: شاطئ الانعتاق، والخفة، والركض اللامتناهي في فضاء الحرية.