لاهوت الطمس وحقيقة الأرض: سمعان بن كوزيبا مسترد السيادة الفلسطينية ضد الاستعمار الروماني وموقف ثورته من منظومة حرد العربي الكهنوتية.

كيف واجه سمعان بن كوزيبا الاستعمار الروماني في ثورة فلسطين الكبرى، وكيف تفكك السرديات الكهنوتية والصهيونية لتأكيد الطابع الوطني التحرري للثورة؟

لاهوت الطمس وحقيقة الأرض: سمعان بن كوزيبا مسترد السيادة الفلسطينية ضد الاستعمار الروماني وموقف ثورته من منظومة حرد العربي الكهنوتية.
لاهوت الطمس وحقيقة الأرض: سمعان بن كوزيبا مسترد السيادة الفلسطينية ضد الاستعمار الروماني وموقف ثورته من منظومة حرد العربي الكهنوتية.

بقلم د. علاء أبوعامر 

شكلت الجغرافيا الفلسطينية عبر التاريخ القديم ساحة مواجهة حتمية ومستمرة ضد القوى الإمبراطورية التوسعية، حيث نمت في جبالها وسهولها حركات مقاومة شعبية عكست ارتباط الإنسان الكنعاني والعربي الأصيل بأرضه ورفضه المطلق للتبعية والاندماج القسري في المنظومة الاستعمارية. وتتربع ثورة فلسطين الكبرى (132-135 م)، التي قادها "سمعان بن كوزيبا"، كأهم وأعنف الانتفاضات العسكرية الشعبية التي واجهت روما في أوج جبروتها خلال العصر الأنطوني (Harris 1990). بيد أن هذه الثورة تعرضت لعملية تشويه وتزييف تاريخي ممنهج؛ إذ حاولت السرديات الكنسية اللاحقة إلباسها ثوباً لاهوتياً غيبياً صوفياً تبريراً لصراعات كهنوتية، في حين عمدت الفبركات الآيديولوجية الصهيونية الحديثة إلى إسقاط مفاهيم قومية معاصرة على حدث مادي قديم بغية سرقة التاريخ وشرعنة حضورها المعاصر (Whittaker 2004). إن القراءة النقدية المعاصرة تعيد قراءة الحدث باعتباره ثورة تحرر وطني قادها ثائر فلسطيني نبت من واقع جيو-اقتصادي ملموس دمرته فيالق هادريان (Isaac 1992).

تجمع الأدلة الأثرية والوثائقية المكتشفة في مغاور صحراء جنوب فلسطين على أن الاسم الحقيقي والقانوني للقائد هو "سمعان بن كوزيبا" (Yadin 1971). وينتسب هذا القائد في مولده ونشأته إلى خربة "كويزيبة" التاريخية الأثرية القائمة حتى اليوم بين بلدتي سعير وحلحول في جبال الخليل شمال شرق المدينة. هذا الموطن الجغرافي يربطه مباشرة بالبيئة البشرية والاجتماعية للقبائل والمجتمعات العربية الأدومية واللخمية والجذامية والثمودية التي استوطنت جنوب فلسطين وانصهرت بالكامل في نسيجها الحضاري والزراعي (Kasher 1988). لقد تميز هؤلاء العرب الأدوميون بصلابة الشكيمة، والأنفة، والرفض التاريخي المزمن لكل أشكال الهيمنة الأجنبية أو الخضوع لمنظومة الضرائب الرومانية.

ومن الأهمية بمكان من الناحية التحليلية تفكيك دلالة اسم "بن كوزيبا" وفق الموروث السوسيولوجي والثقافي لفلسطين؛ حيث تشير هذه الصيغة لغوياً واجتماعياً إلى النسبة الجغرافية المباشرة للموطن، والمنحدر الأصلي للقائد، أي "سمعان ابن قرية كوزيبة" أو المنسوب إليها، وليس بالضرورة اسماً لعائلة بيولوجية. وتعد هذه الصيغة في التسمية والتعريف تجلياً مبكراً للموروث الفلسطيني الممتد عبر القرون، والذي يربط هوية الفرد وكنيته بجغرافيته الأولى؛ تماماً كما جرت العادة عبر التاريخ الاجتماعي لفلسطين وحتى يومنا هذا، حيث تحمل العائلات والبيوتات الفلسطينية كنيات وألقاباً مشتقة من أصولها الجغرافية والقروية والمدنية الكبرى كالعائلات التي تسمى بالخليلي، والنابلسي، والمقدسي، والغزي، والرملاوي، واليافاوي، والسبعاوي، والصفدي، والكرمي، والدجاني. خروج ابن كوزيبا من هذا الرحم الجغرافي وحمله لاسم بلدته يفسر التفاف الحاضنة الشعبية الريفية حوله باعتباره ابناً حقيقياً لتراب الخليل وجبالها (Alon 1989).

ولكن، لكي يتم طمس هذه الأصول العربية المحلية ونزع الطابع الشعبي الفلاحي والريفي عن الثورة، عمد بعض الكهنة اللاحقين وبعض الطوائف لترويج لقب "بار كوخبا" أو "ابن الكوكب"، في محاولة مكشوفة لربط سمعان بنبوءات غيبية فلكية تمنحه مسحة كهنوتية ماسونية لا صلة له بها مطلقاً (Eshel 2006). هذا التحوير المفتعل لم يكن إلا مبرراً اصطناعياً استخدمته المؤسسات الكهنوتية لتفسير الهزيمة اللاحقة وإلقاء اللائمة على انحرافات دينية مزعومة، وهو ذات التوظيف الذي التقطته الصهيونية المعاصرة لتحويل القائد الفلسطيني من ثائر محلي يدافع عن حقول الخليل والقدس إلى بطل لقصة قومية غيبية متخيلة (Zerubavel 1995). إن وثائق بن كوزيبا المكتوبة بخطه تؤكد أنه لم يستخدم هذا اللقب المبتدع قط، بل وقع رسائله دائماً باسمه العائلي والجغرافي "ابن كوزيبا" وبصفته الإدارية والسياسية الرسمية "رئيس" أو "قائد" فلسطين (Greenstone 2012).

لم تنطلق ثورة بن كوزيبا من رغبة في تحقيق نبوءات أخروية، بل جاءت انفجاراً حتمياً رداً على سياسات الإمبراطور هادريان الفاشية التي استهدفت الوجود المادي والثقافي لأهل الأرض (Millar 1993). وتمثلت هذه الدوافع في ثلاثة محاور اقتصادية وسياسية متداخلة:

١. تدمير المركز الحضري وتحويله لمستعمرة رومانية: قرر هادريان بناء مدينة وثنية جديدة فوق أنقاض القدس أطلق عليها اسم "إيليا كابيتولينا"، وتشييد معابد للإله جوبيتر فوق الأماكن المقدسة المحلية، وهو ما عنى طمساً كاملاً للهوية التاريخية والثقافية للمنطقة (Smallwood 1981).

٢. الاستعمار الاستيطاني ومصادرة الأراضي: قامت الإدارة الرومانية بمصادرة واسعة النطاق للحقول والمزارع الخصبة في وسط وجنوب فلسطين، وطرد الفلاحين الفلسطينيين الأصليين منها لتوزيعها على الفيالق الرومانية المتقاعدة، مما خلق أزمة عيش طاحنة (Alon 1989).

٣. نظام السخرة والافتقار الضريبي: فرضت روما منظومة ضرائب خانقة استنزفت الفائض الاقتصادي للمجتمع المحلي، وحولت الشباب إلى عمالة سخرة لبناء المشاريع الإمبراطورية والطرق العسكرية، مما حول الحياة اليومية إلى جحيم مستمر (Goodman 2007).

امتدت الثورة كالنار في الهشيم بفضل الالتفاف الكامل لجموع الفلاحين ورعاة الجبال في فلسطين حول القائد بن كوزيبا، والذين شكلوا العمود القبلي والفقري لجيشه المقاوم. ونظراً للاختلال الهائل في ميزان القوى العسكري التقليدي لصالح روما، ابتكر المقاتلون الفلسطينيون استراتيجية عسكرية عبقرية قامت على مفهوم حرب العصابات الجوفية عبر تشييد "شبكات المخابئ والأنفاق الأرضية" (Kloner and Zissu 2003).

حفر الثوار في الصخور الصماء لجبال الخليل وبتير وجوار القدس منظومات هندسية معقدة تحت الأرض، تميزت بمداخل سرية مموهة ببراعة وسط الحقول، وتحتوي على غرف قيادة، ومستودعات ضخمة لتخزين الحبوب والتموين, وآبار محفورة لجمع مياه الأمطار، وقنوات تهوية بالغة الدقة مصممة هندسياً لمنع تسرب الدخان (Oppenheimer 1997). هذه الشبكات سمحت للمقاتلين الفلسطينيين بتحييد التفوق العددي والتسليحي للجيش الروماني الكلاسيكي؛ فبينما كانت الفيالق الرومانية تسير بتشكيلاتها الثقيلة في الأودية الجبلية الوعرة، كان الثوار يخرجون فجأة من باطن الأرض، يوقعون بالعدو خسائر فادحة، ثم يختفون بلمح البصر في جوف الجبال (Mor 2016). هذا التكتيك المتفوق أصاب القيادة الرومانية بالذهول والشلل التام، وعطل خطوط إمدادها لفترة طويلة من الزمن.

من أكثر الجوانب التاريخية التي تعرضت للتزييف هي طبيعة الأهداف السياسية لسمعان بن كوزيبا، وموقفه من المؤسسة الدينية الكهنوتية القديمة التي ارتبطت بـ معبد حرد العربي في بيت المقدس، وحرد العربي هو القائد والملك العربي الأدومي الأصل الذي حكم فلسطين تحت المظلة الرومانية وصنع طبقة كهنوتية أرستقراطية عميلة للاحتلال (الكلبي 1985). عندما قاد بن كوزيبا ثورته، كان يتخذ موقفاً حاسماً ورافضاً لمهنة ووظيفة ذلك المعبد الكهنوتية لعدة أسباب مادية واضحة:

   1. رفض الكهنوت الأرستقراطي العميل: كان معبد حرد العربي في بيت المقدس يُدار من قبل طبقة من الكهنة ورجال الدين الأثرياء (الصدوقيين"الزنادقة" والطبقات الأرستقراطية) الذين تحولوا إلى أدوات بيد الحكام الرومان، يستغلون شريعة موسى والعامل الديني بشكل عام لجمع الأموال وفرض الإتاوات على الفلاحين والفقراء (Horsley 1987). بن كوزيبا، بوصفه قائداً شعبياً نبت من أوساط المزارعين الكادحين، كان يرى في هذا الكهنوت امتداداً للاستعمار الاقتصادي الروماني، وبالتالي رفض إحياء المنظومة الكهنوتية القديمة أو الخضوع لسيطرة رجال الدين (Schäfer 2003).

   2. علمنة الإدارة الثورية والسيادة السياسية: تظهر المراسلات الميدانية والعملات المكتشفة أن بن كوزيبا لم يسعَ قط لبناء معبد ديني أو تنصيب رئيس كهنة يقود المجتمع، بل كانت شعارات عملاته تركز على "حرية القدس" و"فداء فلسطين" كرموز سياسية وجغرافية جامعة للشعب وليس كبرنامج ديني (Mildenberg 1984). لقد جرد القائد الثورة من التحكّم الكهنوتي، وجعل القرار عسكرياً وإدارياً بحتاً يديره بنفسه كرئيس وممثل شرعي لأهل الأرض الأصليين، متجاوزاً الطبقة الدينية القديمة التي ساندت المستعمر أو دعت للمهادنة (Lapin 1993).

   3. الدلالة اللوجستية للرسائل: الرسائل الإدارية التي عثر عليها في مغاور وادي المربعات وعين جدي تكشف عن قائد صارم يوبخ القادة الميدانيين إذا قصروا في حماية المزارعين أو تأمين القمح والمؤن، وتخلو نصوصها تماماً من أي مصطلحات مستمدة من أدبيات العبادات الطقسية الكهنوتية، مما يبرز وعيه التام بأن معركته هي معركة أرض وسيادة واقتصاد، وليست تلبية لطموحات طبقة كهنوتية بادت مع الدمار الروماني السابق (Benoit, Milik and de Vaux 1961).

أمام الضربات المباغتة والموجعة التي تلقاها الاستعمار الروماني، واهتزاز هيبة روما الإمبراطورية بعد إبادة فيالق كاملة على يد المقاومة الفلسطينية، اضطر الإمبراطور هادريان لاتخاذ إجراءات استثنائية؛ فاستدعى أبرز قادته العسكريين وأكثرهم وحشية "يوليوس سيفيروس" من جبهة بريطانيا النائية، وقام بنقل فيالق كاملة من جبهات الدانوب والراين لحسم المعركة في فلسطين (Grainger 2012). وتغيرت الاستراتيجية الرومانية من المواجهة المباشرة التي فشلوا فيها، إلى سياسة الأرض المحروقة وحصار القرى والمدن الفلسطينية لقطع مصادر الميرة والإمداد عن الثوار (Eck 1999).

انحاز المقاتلون في المراحل المتقدمة من الحرب نحو الحصون الطبيعية في الجبال، ودارت فصول الملحمة الختامية العظمى في قرية "بتير" فلسطينية الجذور القابعة غرب بيت لحم، والتي تميزت بموقعها الاستراتيجي المشرف وتحصيناتها الطبيعية الوعرة (Zissu and Poreath 2010). هناك، ضرب القائد الفلسطيني سمعان بن كوزيبا مع عصبته المقاتلة أروع أمثلة الصمود والاستبسال تحت حصار روماني مطبق وخانق استمر لأشهر طويلة. وفي صيف عام 135 م، ارتقى القائد البطل سمعان بن كوزيبا شهيداً في ميدان الشرف، ممسكاً بسيفه ومدافعاً عن ثرى وطنه الطاهر، وسقطت قلعة بتير بعد أن روت دماء الثوار الزكية ترابها وجذور زبيبتها (Abel 1952).

إن رحيل القائد الفلسطيني سمعان بن كوزيبا في ميدان المواجهة ببتير لم يكن نهاية للمقاومة، بل تحول دم الشهادة إلى مادة حية غذت ذاكرة الأرض التي لا تصدأ ولا تقبل النسيان. ورغم وحشية القمع الروماني الذي تلا الثورة وسياسة تدمير القرى والإبادة الجماعية التي مارسها يوليوس سيفيروس لإفراغ المنطقة من سكانها الأصليين، إلا أن هذه الملحمة بقيت شاهداً تاريخياً قاطعاً على أن هويّة فلسطين العربية الكنعانية عصية على الابتلاع والتذويب. لقد أسقطت دماء بن كوزيبا، المنسكبة من جبال الخليل إلى وهاد بتير، كل الفبركات الكنسية اللاهوتية والتخرصات الآيديولوجية الصهيونية التي حاولت تفريغ الثورة من مضمونها الوطني التحرري، لتظل قصته إعلاناً أبدياً يتردد عبر العصور: إن فلسطين لا تقبل الترويض، وإن تاريخها يكتبه فقط أصحاب الحق الماديون الممسكون بترابها، والذين يثبتون في كل جيل أن الغزاة إلى زوال وأن الأرض تعود دوماً لمن يرويها بعرقه ودماء شهدائه.