مَرافِئُ النُّورِ الهَارِبَة: رِحلَةُ الصَّابِئَةِ المِندَائِيِّينَ مِن رَوَابِي القُدسِ إِلَى أَهْوَارِ العِرَاق
استكشف رحلة الصابئة المندائيين التاريخية من القدس وحوض الأردن إلى أهوار العراق، وقصة نزوحهم رفقة مخطوطات حران كوايتا وبحثهم عن الماء النقي.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تحمل ذاكرة الطوائف الروحية القديمة ندوباً وجروحاً غائرة، لكنها تحمل أيضاً أسرار بقائها التي تحدت عاديات الزمن. ومن بين أكثر هذه الذاكرات عمقاً وإثارة للدهشة، تبرز ذاكرة الصابئة المندائيين، أولئك "الناصورائيين" الأوائل الذين ارتبطت حيواتهم وطقوسهم بقدسية الماء الجاري وحكايا النور والظلام. إن المتأمل في نصوصهم التاريخية، ولا سيما كتابهم السري "حران كوايتا"، يجد نفسه أمام ملحمة هجرة كبرى بدأت فصولها من أرض فلسطين التاريخية، وتحديداً من تخوم القدس وحوض الأردن، لتنتهي بين قصب الأهوار وبرادي جنوب العراق، في رحلة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت فراراً مقدساً بالهوية والعقيدة من مقصلة الفساد والاضطهاد.
تبدأ الحكاية في القرن الأول الميلادي، حيث كان إقليم "يهودا" الفلسطيني في شرق فلسطين يعيش غلياناً سياسياً ودينياً خانقاً تحت وطأة الاحتلال الروماني. وفي هذا المشهد المتأزم، كانت طبقة الكهنة الأرستقراطية، والمعروفة تاريخياً بطائفة "الصدوقيين"، الزنادقة من المجوس تسيطر على الهيكل وتحوله من منارة روحية إلى مؤسسة نفوذ مالي وسياسي متواطئة مع المستعمر الأجنبي. في المقابل، كانت ضفاف نهر الأردن وإقليم الجليل في الشمال تحتضن حركات روحية معمدانية زاهدة، تلتف حول تعاليم النبي يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان). ولم يكن الخلاف بين هؤلاء المعمدانيين وكهنة معبد حرد العربي في القدس خلافاً عابراً، بل كان صراعاً جذرياً حول جوهر الإيمان؛ فالناصورائيون المندائيون رفضوا شرعية الكهانة الصدوقية القائمة على تقديم الذبائح الحيوانية المكلفة وصكوك الغفران داخل الهيكل، واستبدلوها بطقس "المصبغة" أو التعميد المستمر في المياه الحية الجارية كطريق وحيد لتطهير النفس والاتصال بعالم النور العالي.
هذا الانشقاق الروحي لم يمر بسلام؛ إذ سرعان ما جرد كهنة أورشليم حملات اضطهاد واسعة ضد أتباع النبي يحيى. ولم يعد ثمة خيار أمام هذه الجماعة سوى "الخروج الكبير" لحفظ الإيمان. هنا يوثق كتاب "حران كوايتا" رحلة الانعتاق، حيث اتجهت الجماعة شمالاً نحو مدينة حران الفراتية. ولم يكن اختيار حران ضرباً من العشوائية، بل كان قراراً عبقرياً فرضته الجغرافيا السياسية واللغوية؛ فحران كانت مدينة آرامية اللغة، لكنها تمتلك عمقاً وثقافة عربية أصيلة وتداخلاً بشرياً مع قبائل وعرب الشمال كالأنباط والثموديين. كانت اللغة الآرامية الفلسطينية (لهجة الجليل وحوض نهر الأردن) التي يتحدث بها المندائيون تتقاطع بنسبة تكاد تكون كاملة مع لغات عرب الشمال وآرامية الفرات، مما جعل من حران بيئة لغوية دافئة وحاضنة ثقافية مألوفة، فضلاً عن كونها تقع خارج القبضة الحديدية للرومان وكهنة معبد حرد العربي، وتحت حماية الممالك العربية المستقلة والإمبراطورية الفرثية المنافسة لروما.
لسنوات طويلة، ظل هذا السرد المندائي المأثور يُعامل في الأوساط الأكاديمية الغربية بنوع من الشك، حتى جاء منتصف القرن العشرين بمفاجأة هزت أركان البحث التاريخي، وتمثلت في اكتشاف مخطوطات البحر الميت في كهوف قمران. حين عكف العلماء على دراسة نصوص جماعة قمران (الأسينيين)، تكشفت أمامهم بيئة فكرية وطقسية مذهلة تشابه العقيدة المندائية إلى حد التطابق؛ فالتقديس الاستثنائي للمياه الجارية، والثنائية الكونية الصارمة بين أبناء النور وأبناء الظلام، والرفض القاطع والمطلق لكهنة معبد حرد العربي في القدس الذي دفع بتلك الجماعات للاعتزال في البراري، كل ذلك قدم "الدليل المادي الدامغ" على صدق الرواية التاريخية للمندائيين. لقد أثبتت المخطوطات أن فكرة الهجرة والاعتزال هرباً من تحريفات جيل الكهنة في القدس كانت تياراً حقيقياً وعاصفاً في القرن الأول، وأن المندائيين هم الوريث الحي الوحيد المتبقي من تلك البيئة المعمدانية الفلسطينية القديمة.
ولم تكن حران سوى محطة الجسر؛ فالحاجة الوجودية للماء الجاري الحي (اليردنا) قادت المندائيين تدريجياً، مع انحدار مسارات الأنهار، إلى اتباع ضفاف دجلة والفرات جنوباً. وهناك، في عمق وادي الرافدين، حيث تنبثق الأهوار والبطائح العظيمة في جنوب العراق وتخوم ميسان والأحواز، وجد الصابئة المندائيون وطنهم النهائي الموعود. في تلك البراري المائية النائية والآمنة، استطاعوا غرس جذورهم العميقة، وممارسة طقوس تعميدهم بملابسهم البيضاء (الرستة) بعيداً عن ملاحقة الطغاة، لتتحول لغتهم الآرامية القديمة بفعل الاستقرار الطويل إلى الآرامية الشرقية (المندائية)، محتفظة على النواة الصلبة بمفرداتها الجليلية والنباطية الأولى.
إن رحلة الصابئة المندائيين من رطوبة حوض الأردن المهددة إلى أمان أهوار العراق ليست مجرد انتقال في الجغرافيا، بل هي ملحمة إنسانية فريدة تروي كيف يمكن للكلمة والنور والماء أن يهزموا السيف والتحريف والنسيان. لقد أثبت التوثيق التاريخي، معززاً باللسانيات ومخطوطات قمران، أن هذه الطائفة لم تولد في عزلة الجنوب العراقي، بل حملت معها إرثاً روحياً شامياً خالصاً، اختلف يوماً مع سدنة معبد حرد العربي في القدس، فصار الطرد هجرة، وصارت الهجرة بقاءً سرمدياً ينبض بالحياة مع كل قطرة ماء جارية في دجلة والفرات.