ظلال دمشق وفلسطين في قلاع الغرب: كيف أعادت بلاد الشام صياغة الصليبيين الفرنجة؟
كيف أثرت بلاد الشام على الصليبيين خلال الحملات الصليبية؟ تعرف على دور دمشق وفلسطين في نقل العمارة والطب والزراعة إلى أوروبا وتشكيل نهضتها
بقلم:د. علاء أبوعامر
حين تدفقت فيالق الفرنجة عبر ثغور الشام مع نهاية القرن الحادي عشر، لم تكن تحمل في جعبتها سوى عقيدة السيف، وهياكل إقطاعية صلبة ولدت في أحضان قارة أوروبية باردة، تئن تحت وطأة الجهل والبدائية. غير أن التراب الممتد من أسوار أنطاكية حتى غوطة دمشق، ومن قلاع حلب حتى سواحل فلسطين، لم يكن مجرد ساحة حرب؛ بل كان مختبراً حضارياً باهراً صهر خشونة الغزاة، وأعاد تشكيل وعيهم الإنساني، ونمط حياتهم اليومي، لتتحول المواجهة العسكرية تدريجياً إلى واحدة من أكبر عمليات المثاقفة في التاريخ الإنساني.
في أنطاكية، تلقت العسكرية الأوروبية صدمتها الهندسية الأولى. وقف الفرسان بذهول أمام الأسوار الشاهقة والأبراج الدائرية الشامية التي كانت تتحدى منجنيقاتهم. يوثق المؤرخ الصليبي المعاصر للحملة الأولى، فوشيه الشارتري، في مذكراته هذا الذهول أمام عبقرية التحصين الشرقي، مما دفع البنائين الفرنجة لاحقاً إلى هجر الأبراج المربعة البدائية في أوروبا، ونقل هندسة الدفاع الطبقي والخنادق المحفورة في الصخر، لتولد من رحمها قلاع الغرب العظيمة (الشارتري، 1990). ولم تكن قلعة حلب الشامخة سوى المدرسة الأكبر التي تعلموا في روجها نظام الممرات الملتوية الخادعة، وكيفية إدارة الحصار، بل وحتى استخدام الحمام الزاجل كشبكة بريد عسكرية خاطفة ألغت مسافات الزمن التي اعتادوها في بلدانهم (المنياوي، 2013).
أما فلسطين، فكانت واحة التطهير الجسدي والروحي لفرسان لم تكن ثقافة الاستحمام في قواميسهم أبعد من طقس موسمي. يروي المؤرخ والمطران جاك دي فيتري في كتاباته بكثير من الانبهار كيف تبدل طبع الفرنجة في مدن مثل القدس ونابلس وعكا؛ حيث خلعوا مسوح الصوف الثقيلة الملتصقة بأجسادهم، وارتدوا الحرير الشامي الخفيف، واعتادوا ارتياد الحمامات العامة مستخدمين الصابون النابلسي المعطر بزيت الزيتون (دي فيتري، 1998). ولم يقتصر الأمر على نظافة الأبدان، بل امتد لسلامتها؛ فحين كان الطب الأوروبي يتخبط في خرافات السحر وبتر الأعضاء العشوائي، كان أطباء الشام يداوون الأمراض المستعصية بالعقاقير والتشخيص العلمي. ويعترف رئيس أساقفة صور، المؤرخ وليم الصوري، في مؤلفاته الكبرى بأن ملوك الصليبيين وأمراءهم كانوا يضيقون ذرعاً بأطبائهم القادمين من الغرب، ويرفضون العلاج إلا على يد الأطباء المحليين في بلاد الشام، لعلمهم الواسع بتركيب الأدوية وعلم التشريح (الصوري، 1992).
وعلى مقربة من تلك التخوم، كانت دمشق تشع بنورها كفردوس أرضي يسلب عقول الرحالة والمحاربين. ورغم استعصائها العسكري عليهم، إلا أن اقتصادهم انقاد لجمالها؛ فنقلوا عنها أقمشة "الدمقس" الحريرية الفاخرة، والزجاج الملون المينا، وظلوا يراقبون بذهول مرونة وقوة "الصلب الدمشقي" في السيوف التي كانت تقطع الحديد ولا تنثني (عاشور، 2008). وفي وادي الأردن وغور فلسطين وصور، تعلم الصليبيون زراعة قصب السكر وطرق تكريره بعد أن كان العسل محليّهم الوحيد، ونقلوا معهم بذور الليمون، والبرتقال، والبطيخ، ونظم الري بالتنقيط والقنوات المغطاة التي تحمي المياه من عين الشمس (حتي، 1958). هذا الترف الشامي غيّر مائدتهم، بل وغيّر حتى بيوتهم التي استبدلوا فيها مقاعد الخشب القاسية بـ"الديوان" المريح، وافترشوا السجاد الشرقي المنسوج بحكايا الشرق.
إن هذا التحول الجذري لم يكن مجرد اقتباس لوسائل الرفاهية، بل امتد إلى صياغة العقل المالي الإداري؛ حيث انبثق النظام المصرفي الأوروبي الحديث، الذي قاده "فرسان الهيكل"، من فكرة "السفتجة" والصكوك المالية الشامية لتأمين حركة التجارة (الحريري، 2011). لقد ذاب الغرب الإقطاعي في عباءة الشرق الحضارية، وتخلى الغزاة عن اغترابهم، وهو ما صاغه فوشيه الشارتري في عبارته الخالدة التي لخصت هذا التحول النفسي العميق: "ها نحن أولاء الذين كنا غربيين قد صرنا الآن شرقيين... لقد نسينا الأماكن التي ولدنا فيها" (الشارتري، 1990، صفحة 142).
في المحصلة، لم تكن الحروب الصليبية مجرد جولات من الدماء والنار، بل كانت نافذة قسرية أطلت منها أوروبا على شمس الحضارة الشامية. رحل الفرسان بأسلحتهم بعد قرنين من الزمان، لكنهم تركوا خلفهم روحاً شرقية تسربت إلى قلاعهم، وجامعاتهم، ومطابخهم، وحقولهم. لقد دُحرت الممالك اللاتينية عسكرياً، لكن بلاد الشام نجحت في غزو عقول غازيها، وصياغة فجر النهضة الأوروبية بمداد من علومها ونمط حياتها، ليظل التاريخ شاهداً على أن حضارة الأرض تنبثق دوماً من ينابيع الشرق.