الشرق الأوسط بعد الحرب: مَن يعيد تشكيل النظام الإقليمي؟

قراءة تحليلية عميقة للكاتب د. عبد الرحيم جاموس حول تحولات الشرق الأوسط بعد الحرب، موازين القوة الجديدة، دور القوى الإقليمية والدولية، وموقع فلسطين في النظام القادم.

الشرق الأوسط بعد الحرب: مَن يعيد تشكيل النظام الإقليمي؟
الشرق الأوسط بعد الحرب: مَن يعيد تشكيل النظام الإقليمي؟

الشرق الأوسط بعد الحرب: من يصنع قواعد النظام الإقليمي الجديد؟

بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

لم تعد المسألة بعد الحرب سؤالًا عن المنتصر والمهزوم. فالحروب الكبرى لا تنتهي عادةً بانتصار طرف وخسارة طرف آخر بصورة مطلقة، وإنما تترك وراءها شبكة من الخسائر والتحولات والوقائع الجديدة التي تعيد تشكيل البيئة التي تجري فيها الصراعات. وهذا هو حال الشرق الأوسط اليوم.

فالمنطقة لم تخرج من الحرب كما دخلتها. تغيرت موازين القوة، وتبدلت حسابات الأمن، واهتزت بعض التحالفات، وأعيد النظر في جدوى الاعتماد على الحماية الخارجية، بينما برزت قوى إقليمية تسعى إلى امتلاك دور أكبر في تحديد مستقبل المنطقة. لكن السؤال الأهم لم يعد: من ربح الحرب؟ وإنما: من يستطيع تحويل نتائجها إلى نظام إقليمي جديد؟

بين التفوق العسكري وصعوبة بناء النظام

إن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على بناء النظام. إسرائيل حققت خلال السنوات الأخيرة تفوقًا عسكريًا واضحًا، وألحقت أضرارًا كبيرة بخصومها، وأثبتت قدرتها على استخدام القوة على نطاق واسع. لكن التفوق العسكري لم يتحول تلقائيًا إلى هيمنة سياسية مستقرة. فالهيمنة تحتاج إلى أكثر من القوة؛ تحتاج إلى قبول إقليمي، أو إلى قدرة على إنتاج ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية تجعل الآخرين يتعاملون معها باعتبارها جزءًا من النظام، لا باعتبارها مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار. وهذا الفارق بين التفوق العسكري والنظام الإقليمي هو أحد أهم مفاتيح فهم المرحلة الجديدة.

والولايات المتحدة، من جهتها، ما زالت القوة الدولية الأكثر قدرة على التدخل في الشرق الأوسط، لكنها لم تعد قادرة على إدارة المنطقة بالطريقة التي كانت تفعلها في العقود السابقة. فقد كشفت الحروب المتتالية أن القوة الأمريكية تستطيع تغيير موازين المعركة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم، ولا تستطيع أن تضمن لجميع حلفائها الأمن الذي يريدونه من دون أن تتحمل هي نفسها كلفة متزايدة.

تحولات التحالفات وصعود القوى الإقليمية

وهنا برز تحول بالغ الأهمية: الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج، بدأت تتعامل مع أمنها باعتباره مسؤولية لا يجوز إسنادها بالكامل إلى قوة خارجية واحدة. وقد كشفت الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الأخيرة عمق هذه المعضلة؛ فدول الخليج وجدت نفسها معرضة لتداعيات صراع لم تكن هي من قرر اندلاعه، ما دفعها إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن والشراكات الدفاعية وتنويع مصادر القوة والحماية. وفي هذا السياق اكتسبت التحركات السعودية نحو بناء شراكات إقليمية متعددة أهمية خاصة.

ومن هنا يمكن فهم دلالة الاتفاق الدفاعي السعودي ـ التركي ـ الباكستاني؛ فهو لا يعني بالضرورة نشوء حلف عسكري مغلق، لكنه يعكس اتجاهًا جديدًا نحو توزيع مصادر القوة والأمن بدل الارتهان لضامن واحد. كما أنه يكشف عن صعود دور القوى الإقليمية الإسلامية الكبرى في صياغة معادلات الأمن، بدل تركها بالكامل للقوى الدولية.

وفي المقابل، لا يمكن تصور النظام الجديد دون إيران. لقد تعرضت إيران لضربات قاسية وأصيبت شبكة نفوذها الإقليمية بأضرار كبيرة، لكن إضعاف القوة الإيرانية لا يعني اختفاء إيران من الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. فإيران دولة مركزية بحجمها وموقعها وقدراتها، وستحاول إعادة بناء قدرتها على الردع والتأثير، وربما بأدوات مختلفة عن تلك التي استخدمتها قبل الحرب. ومن ثم فإن السؤال ليس هل ستخرج إيران من النظام الإقليمي، وإنما أي إيران ستعود، وبأي أدوات، وفي أي توازنات جديدة؟

مركز الثقل العربي والاختبار الفلسطيني

لكن التغيير الأكثر أهمية قد يكون في انتقال مركز الثقل العربي من رد الفعل إلى محاولة صناعة التوازن. وهنا تبدو السعودية مرشحة لدور متزايد، ليس باعتبارها قوة عسكرية فقط، وإنما باعتبارها قوة سياسية واقتصادية ودبلوماسية، تمتلك القدرة على بناء الشراكات والتواصل مع أطراف متناقضة، وعلى توظيف وزنها العربي والإسلامي والاقتصادي في صياغة ترتيبات أوسع من حدود المواجهة العسكرية. وقد يكون هذا أحد أبرز ملامح النظام المقبل: شرق أوسط متعدد الشراكات، لا متعدد المحاور فقط.

لكن كل هذه التحولات تظل ناقصة إذا جرى تجاهل القضية الفلسطينية. ففلسطين ليست ملفًا هامشيًا يمكن ترحيله إلى نهاية إعادة ترتيب المنطقة؛ بل هي أحد الاختبارات الأساسية لشرعية النظام الإقليمي الذي سيولد بعد الحرب. إذا انتهت الحرب إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، وإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني، وتحويل غزة إلى ملف إداري وإنساني وأمني منفصل عن القضية الوطنية، فإن النتيجة لن تكون حلًا للصراع، وإنما إعادة هندسته بطريقة قد تخدم استمرار الاحتلال والضم وتفريغ مشروع الدولة الفلسطينية من مضمونه.

أما إذا تحولت إعادة إعمار غزة إلى مدخل لإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة توحيد غزة والضفة والقدس ضمن إطار سياسي واحد، وإطلاق مسار جدي نحو الدولة الفلسطينية، فإن المنطقة ستكون أمام فرصة تاريخية مختلفة. وهنا تتضح أهمية المواقف العربية والدولية التي لا تزال تربط الاستقرار الإقليمي بحل القضية الفلسطينية. فالسعودية أكدت في الأمم المتحدة أن حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، هو الطريق إلى السلام، فيما تواصل فرنسا وشركاؤها الدفع باتجاه إبقاء حل الدولتين في قلب المسار السياسي.

مستقبل الشرق الأوسط بين صراع النفوذ وصناعة المستقبل

ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل النظام الإقليمي لن تحدده إسرائيل وحدها، ولا الولايات المتحدة وحدها، ولا إيران وحدها. سيكون نتاج صراع وتفاعل بين عدة مراكز للقوة: الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، والسعودية، وتركيا، ومصر، ودول الخليج، إلى جانب القوى الدولية الصاعدة التي تتوسع مصالحها في المنطقة. والعامل الحاسم لن يكون فقط من يمتلك أكبر ترسانة عسكرية، وإنما من يستطيع الجمع بين القوة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والشرعية والقدرة على بناء التحالفات.

وهنا تكمن المفارقة. إسرائيل تمتلك فائض القوة، لكنها تواجه معضلة تحويل هذه القوة إلى نظام إقليمي مستقر. والولايات المتحدة تمتلك فائض القدرة، لكنها تواجه معضلة إدارة منطقة لم تعد تقبل بسهولة أن تُدار من الخارج. وإيران تمتلك القدرة على الصمود وإعادة التموضع، لكنها تواجه سؤالًا حول حدود مشروعها الإقليمي وكلفته. أما العرب، فإنهم يمتلكون اليوم من عناصر القوة الاقتصادية والسياسية والديموغرافية ما يؤهلهم لدور أكبر، لكنهم لا يزالون بحاجة إلى تحويل هذه العناصر من قدرات متفرقة إلى رؤية مشتركة. أما الفلسطينيون، فإنهم أمام أخطر وأهم اختبار: إما أن تتحول المرحلة الجديدة إلى فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني، وإما أن تتحول نتائج الحرب إلى وقائع جديدة تُضعف هذا المشروع أكثر.

لذلك فإن السؤال الحقيقي في الشرق الأوسط بعد الحرب ليس: من انتصر؟ فلا أحد يستطيع أن يدعي انتصارًا كاملًا في منطقة دفعت شعوبها ودولها أثمانًا هائلة. السؤال الحقيقي هو: من سيعيد تشكيل النظام الإقليمي؟ ومن سيكتب قواعده الجديدة؟ ومن سيحدد موقع فلسطين فيه؟

فالشرق الأوسط يدخل مرحلة لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال: نظام يقوم على توازن القوى، أو نظام متعدد الشراكات، أو صراع جديد على الهيمنة، أو صيغة تجمع بين هذه العناصر كلها. لكن المؤكد أن النظام القديم لم يعد قادرًا على العودة كما كان. والمعركة المقبلة قد لا تكون حربًا عسكرية بالضرورة، بل صراعًا سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا على صياغة قواعد المرحلة المقبلة. ومن ينجح في بناء التوازنات، لا مجرد خوض الحروب، سيكون هو الأقدر على كتابة مستقبل المنطقة.

وفي قلب هذا الصراع كله تبقى فلسطين. فإذا جرى بناء نظام إقليمي جديد دون حل عادل للقضية الفلسطينية، فلن يكون نظامًا جديدًا بقدر ما سيكون إعادة إنتاج للصراع بأدوات جديدة. أما إذا أصبحت الدولة الفلسطينية المستقلة جزءًا من التسوية الإقليمية الجديدة، فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام تحول تاريخي حقيقي: من نظام يقوم على إدارة الصراعات إلى نظام يبدأ، للمرة الأولى منذ عقود، في معالجة أسبابها.

وهنا تحديدًا ستتحدد قيمة ما بعد الحرب: ليس بما انتهت إليه المعارك، وإنما بمن يمتلك القدرة على صناعة المستقبل.

المصدر: يلا نيوز نت 

تاريخ النشر: 18/08/2026