خيوط من تراب كنعان: كيف حوّل الفلاح الفلسطيني جغرافية بلاده إلى غطاء رأس؟
قراءة تاريخية وأثرية في أصول الحطة الفلسطينية ونقوشها الكنعانية ودورها النضالي كأيقونة عالمية للصمود
بقلم: د. علاء أبوعامر
على الرأس تُحمل التيجان، وتُعصب العمائم، وتُحاك الهويات. وفي فلسطين، لم يكن غطاء الرأس يوماً مجرد قماش يقي الفلاح لهيب الشمس في مواسم الحصاد أو زمهرير الشتاء في المرتفعات؛ بل كان، منذ فجر التاريخ، لوحة بيئية دافئة ونطاقاً يربط الإنسان بصلصال أرضه الأولى. هذه "الحطة" التي تتهادى اليوم على الأكتاف وتتوج الرؤوس، ليست وليدة مصادفة نسيجية حديثة، ولا هي مجرد بضاعة وافدة من مراكز الصناعة المتأخرة كالطراز الكوفي، بل هي سردية بصرية كنعانية غارقة في القدم، خُطت ملامحها الأولى في شرق المتوسط قبل أن تعرف الآلات الحديثة طريقها إلى غزل القطن والصوف.
حين نُفتش في جداريات الشرق القديم، وفي رسوم التوثيق التي تركتها الحضارات المجاورة لشعوب "بلاد رتنو" —وهو الاسم الفيروزي والفرعوني لأرض كنعان والشام— تطالعنا وجوه الرجال هناك بملامحها الحادة الواثقة، تظللها أقمشة منسدلة تنساب على الأكتاف بمرونة وحرية. لم تكن تماثيلهم تميل إلى العمائم الضخمة المحبوكة بفخامة دينية كما في جنوب وادي الرافدين، بل آثر الكنعاني والآرامي والأنباط قماشاً خفيفاً حراً، تثبته "عصابة" دائرية محكمة؛ وهي النواة البكر التي تناقلتها الأجيال لتصبح "العقال" المعاصر. هذا الثبات البصري في الرسوم الأثرية ما قبل الميلاد يمنحنا الخيط الأول لإدراك أن "الحطة" ولدت هناك، على سفوح جبال القدس وجليل فلسطين وسواحلها.
حين نُخضع التاريخ لمنطق العين والشهادة الأثرية الملموسة، تنهار الكثير من الفرضيات الشائعة التي حاولت، برغبة عاطفية، تجيير أصل هذا الغطاء الشامي العريق ونسبته إلى حضارات أخرى قَبْل الميلاد. فالقراءة الفاحصة لإرث بلاد الرافدين العظيم —على وفرة تماثيله وجدارياته الأخاذة— لا تقدم لنا دليلاً بصرياً واحداً يؤكد أسبقية سومر أو بابل في ارتداء الكوفية بنقوشها وملامحها المعروفة اليوم؛ بل إن الصمت الأثري هناك يتحدث بوضوح ليعيد الحق إلى أصحابه على ضفاف المتوسط.
وتتجلى هذه الحقيقة في تفكيك أشهر الالتباسات التاريخية؛ وهو الاستشهاد المتكرر بـ تماثيل الأمير السومري "غوديا" (حاكم لجش في الألف الثالث قبل الميلاد)، حيث يذهب البعض سراعاً إلى الزعم بأن ما يعلو رأسه هو أول شماغ أو كوفية في التاريخ. غير أن عين الآثاري المدققة تفضح هذا الوهم البصري؛ فالأمر لا يتعدى كونه "طاقية" أو قبعة دائرية محكمة، صلبة وبارزة، تمثل تاجاً كهنوتياً أو غطاء رأس طقسياً خاصاً بالملوك والوقار الملكي آنذاك.
أما تلك النتوءات والدوائر الصغيرة المنتظمة المحفورة على حجر البازلت الأسود للتمثال، فليست شبكة متقاطعة ولا أوراق زيتون، بل هي محاكاة لنسيج صوفي محبوك بكثافة أو فرو حيواني كان يرتديه أسياد وادي الرافدين، ولا صلة لها من قريب أو بعيد بـ "الحطة" المسترسلة الحرة التي صممتها يد الطبيعة الشامية.
إذا تأملت تفاصيل الحطة الفلسطينية، فلن تجد فيها خطوطاً هندسية مصمتة أو زينة باردة، بل ستكتشف أنها سجل جرافي مشفر لبيئة كنعان، لا يملك الجوار الإقليمي تفسيراً بيئياً لها:
فالشبكة المتداخلة في المنتصف ليست مجرد مربعات عشوائية، بل هي محاكاة دقيقة لغزل شباك الصيد التي كان يلقيها البحارة على امتداد الساحل الفلسطيني وفي مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا، في بلد امتهن أهله الأولون ركوب البحر والتجارة مع جزر المتوسط.
وعلى حواف تلك الشبكة، تتماوج خطوط ناعمة تحاكي بوضوح شديد أوراق شجر الزيتون. وهنا يتحدث علم الآثار والنباتات القديمة بلسان فلسطيني قاطع؛ فالأبحاث الأثرية والمكتشفات المخبرية في مواقع ضاربة في القدم حول أريحا، وعين صفورية قرب الناصرة، وبيت لحم تؤكد أن أقدم زراعة وتدجين لشجرة الزيتون وعصر زيتها في تاريخ البشرية ولدت على هذه الأرض منذ أكثر من 5,000 إلى 8,000 عام.
ومن المستحيل علمياً وبيئياً أن تكون بلاد الرافدين هي مصدر هذا النقش البصري لسبب جغرافي بسيط: وهو أن دجلة والفرات واحات رسوبية فيضانية غنّاء اشتهرت تاريخياً بزراعة النخيل، والشعير، والقمح، والقصب، ولم تكن يوماً موطناً للزيتون وثقافته الحاضرة في وجدان الناس لتصل إلى درجة تبنيها كأيقونة بصرية توضع فوق الرؤوس. لقد أراد الفلاح الكنعاني القديم أن يرفع غراس أرضه المباركة والأصلية فوق جبهته كشعار فخر وصمود، فصارت الورقة الخضراء نسيجاً أبيض وأسود وابيض وأحمر يُتوج الجباه.
أما الخطوط العريضة التي تحيط بالمشهد كله، فهي تحكي قصة طرق التجارة والقوافل البرية والبحرية التي عبرت فلسطين التاريخية، جاعلة منها قلب العالم القديم وحلقة الوصل بين الحضارات.
إن غياب التفاصيل الهندسية الدقيقة للرسم المعاصر في النحوت القديمة لا يعيب الأصل؛ فالأقمشة خامات فانية تذروها الرياح ولا تصمد صمود الطين والحجر. لكن الذاكرة الحية ظلت حارسة للنقش. ومع تقلب العصور، تلاقحت هذه الحطة الشامية مع محيطها في الهلال الخصيب؛ فاستعارت من إرث العراق تقنيات نسيجية متطورة حين نشطت صناعتها في مدينة الكوفة الإسلامية لتُعرف تجارياً بـ "الكوفية"، وتمازجت لغوياً مع التعبير السومري القديم "أش ماخ" (الشماغ) الذي يقال إنه يعني غطاء الرأس العظيم. هو تكامل حضاري، ظل فيه الجسد النسيجي وصناعته الميكانيكية رافدياً، لكن الروح والرمز والملامح والبيئة النبتية بقيت كنعانية بامتياز.
لم تقف الحطة عند حدود الوظيفة البيئية التي توارثها الفلاح الفلسطيني عن أجداده الكنعانيين، بل كانت على موعد مع تحول دراماتيكي صهرها في بوتقة النضال الوطني السياسي؛ وكان ذلك إبان الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. في ذلك الوقت، كان الثوار الذين يشنون الهجمات ضد قوات الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية يأتون من الريف، مرتدين حطّاتهم التقليدية التي يختفون بها وسط الجبال والحقول. ولأن قوات الانتداب بدأت تترصد وتعتقل كل من يرتدي الحطة في المدن باعتباره "ثائراً مفترضاً"، ولدت من قلب المعاناة واحدة من أذكى استراتيجيات التضامن الشعبي في التاريخ.
أصدرت قيادة الثورة آنذاك أمراً تاريخياً عُمم على كل أبناء الشعب الفلسطيني في المدن والقرى على حد سواء: "اخلعوا الطربوش والبسوا الحطة والعقال". استجاب أهل المدن فوراً وبشغف، وفي ليلة وضحاها، تعصّب أطباء فلسطين، ومهندسوها، وتجارها، وطلابها بالحطة الفلاحية. أربك هذا التلاحم العبقري الاستخبارات البريطانية، إذ لم تعد قادرة على تمييز الفلاح المقاتل من ابن المدينة المدني، وتحولت الحطة من دثار يحمي رأس الفلاح من الشمس، إلى دثار يحمي ظهر الثائر من رصاص المحتل، وأصبحت الرمزية الرسمية للهوية والوحدة الوطنية.
مع انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة في ستينيات القرن الماضي، أخذ هذا الوشاح الكنعاني بعداً عالمياً غير مسبوق عبر شخصية القائد الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) لم تكن الكوفية بالنسبة لعرفات مجرد قطعة قماش يرتديه بشكل عابر، بل كانت استراتيجية بصرية مدروسة، وهندسة للهوية نقلت القضية الفلسطينية من أروقة اللجوء إلى منابر التحرر العالمي.
ابتكر عرفات أسلوباً فريداً ومميزاً في وضع الكوفية على رأسه؛ حيث كان يحرص دائماً على إسدال طرفها الأيمن على كتفه بشكل هندسي دقيق يتخذ شكل خارطة فلسطين التاريخية من شمالها إلى جنوبها. دخل أبو عمار بهذا المظهر الفريد إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، حاملاً غصن الزيتون بيد وبندقية الثائر باليد الأخرى، وعلى رأسه الحطة الكنعانية بنقوش زيتونها وبحرها. ومنذ تلك اللحظة، تحولت الكوفية في الوعي الجمعي العالمي من لباس محلي إلى أيقونة نضالية عالمية عابرة للقارات واللغات، يرتديها أحرار العالم، وحركات التحرر، وطلاب الجامعات في شتى أصقاع الأرض كشعار كوني للعدالة، والصمود، ورفض الاضطهاد.
لم تكن الحطة الفلسطينية يوماً مجرد زينة عابرة، بل هي جغرافية وطن كامل اختُزلت في قطعة قماش. لقد حوّل الفلسطيني زيتون بلاده الأصيل، وزرقة بحره، ومجرى نهره، إلى وشاح يرتديه، ليثبت للعالم أن هويته ليست شعاراً يُرفع، بل تاريخٌ بيئي وجغرافي ممتد يُعصب به الرأس. وحين تحولت هذه الحطة في ثورة 1936 من دثار للفلاحين إلى رمز للكفاح والحرية، لم تفعل سوى أنها عادت إلى سيرتها الأولى: تاجاً كنعانياً يروي قصة إنسان رفض أن يفترق عن ترابه، وبقي معصوباً بالوفاء لأرض التين والزيتون الأولى في العالم.
تتعدد ألوان الكوفية وتتماوج خيوطها بين سواد وبياض، أو حمرة ناصعة، أو بياض خالص يسر الناظرين، لكنها في جوهرها تظل هية واحدة لا تتجزأ؛ إنها الكوفية الفلسطينية الكنعانية، التي نبتت من جذور هذه الأرض الطيبة واستحالت رمزاً خالداً لملامحها ونضالها. ولئن نازعها في نسبتها بعض الآراء وأرجعها إلى بلاد الرافدين العريقة، فإن لأرض الرافدين، مهد الحضارات الإنسانية ومنارة التمدن الأول، من الأمجاد والمآثر العظيمة ما يغنيها عن منازعة الآخرين في موروثهم. إن إسناد الحق التراثي إلى أهله الأوائل وتوطين المأثورات في منابتها الأصلية لا يمثل انتقاصاً من قدر أحد، بل هو صون للأمانة التاريخية وتثبيت للجذور في تربتها الحقيقية، حتى وإن تحولت تلك الكوفية مع الأيام إلى رمز عربي جامع، أو أيقونة عالمية تلهم الأحرار في كل مكان.