صرخة قصرة: حين يبتلع جدار الصمت حقول الزيتون

تعرف على تفاصيل المأساة الإنسانية في قرية قصرة جنوب نابلس، وحجم الانتهاكات وهجمات المستوطنين، وسط صمت دولي وعجز داخلي وعربي عن حماية الأرض والسكان.

صرخة قصرة: حين يبتلع جدار الصمت حقول الزيتون
صرخة قصرة: حين يبتلع جدار الصمت حقول الزيتون

بقلم:د. علاء أبوعامر 

تحت ظلال أشجار الزيتون الضاربة بجذورها في عمق الأرض الفوقية، تقف قرية "قصرة" الفلسطينية جنوب نابلس شاهدة على فصول متجددة من مأساة إنسانية، لا تختزلها الكلمات بل تعمدها الدماء والدموع. في الآونة الأخيرة، تحولت هذه القرية الوادعة البالغ مساحة مخططها العمراني نحو تسعة آلاف دونم إلى مسرح مستباح للموت الحقيقي واليومي، حيث يشن غلاة المستوطنين من مستوطنات "مجدوليم" و"إيش كودش" هجمات مسلحة متتالية، لم تقف عند حدود اقتلاع المئات من أشجار الزيتون المعمرة، بل وصلت إلى إشعال النيران في منازل المواطنين الآمنة، وتحطيم شبكات الكهرباء لإغراق القرية في الظلام، وإطلاق الرصاص الحي بشكل مباشر على الشبان والدفاع المدني أثناء محاولتهم إخماد الحرائق. تبرز المأساة بالأرقام حين ندرك أن جدار الاستيطان قضم تاريخياً أكثر من ألفين وتسعمائة دونم من إجمالي مساحة أراضي القرية البالغة نحو سبعة وعشرين ألف دونم لصالح مستوطنة "مجدوليم" وحدها، تضاف إليها مئات الدونمات الأخرى التي تلتهمها البؤر الرعوية المتطرفة لتطويق الوجود الفلسطيني.

 ما يحدث في قصرة ليس مجرد اعتداء عابر، بل هو هندسة ممنهجة للاقتلاع والتهجير القسري، وجريمة تطهير عرقي علنية تجري فصولها تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال الذي يفرض حصاراً خانقاً على مداخل القرية ويغلق طرقها بالسواتر الترابية ليتم عزلها بالكامل عن محيطها. 

على الصعيد الداخلي، يتجلى عمق المأساة في الفجوة الهائلة بين صمود أهالي القرية العزل وبين النخب السياسية. تقف السلطة الفلسطينية في موقف العاجز، تكتفي ببيانات الإدانة الإنشائية ومناشدة المجتمع الدولي، وهي التي كبّلت يدها برهانات سياسية وتنسيق أمني أثبتت الأيام عقمه، مما ترك المواطن الفلسطيني في مواجهة مباشرة وصدر عارٍ أمام رصاص المستوطنين وقنابلهم الغازية التي تُلقى بكثافة بين المنازل. أما الفصائل الفلسطينية، فما زالت خطاباتها حبيسة التهديد والوعيد الإعلامي، غارقة في انقساماتها التقليدية، دون استراتيجية وطنية موحدة وميدانية قادرة على دعم لجان الحراسة الشعبية وتوفير مقومات الحماية الفعلية لهؤلاء المزارعين وتثبيتهم في أرضهم. 

أما الموقف العربي، فيعكس حالة مؤلمة من التراجع والخذلان. في وقت تستبسل فيه "قصرة" للدفاع عن هويتها بصدور عارية وتتحمل الحصار والجوع والترهيب، تبدو العواصم العربية غارقة في حساباتها الخاصة ومصالحها الضيقة، حيث تراجعت القضية الفلسطينية في سلم الأولويات، وتوارى الدعم الحقيقي خلف جدار من التطبيع والمجاملات الدبلوماسية، لتصبح البيانات الصادرة عن الهيئات العربية مجرد إسقاط فرض لا يغني ولا يسمن من جوع، ولا يملك أي وزن رادع على الأرض لإيقاف آلة البطش الإسرائيلية المنفلتة من كل عقال. 

دولياً، يستمر النفاق العالمي في أبشع صوره، حيث يلوذ المجتمع الدولي بصمت مريب، أو يكتفي بالتعبير عن "القلق" والمطالبة "بضبط النفس من الجانبين"، في مساواة سريالية بين المزارع الذي يدافع عن منزله وعائلته، وبين المستوطن المدجج بالسلاح والمحمي بطائرات الاستطلاع وآليات الجيش. هذا الصمت المطبق والشلل الذي يصيب المؤسسات الأممية أمام جرائم الاستيطان والتهجير القسري يمثل الضوء الأخضر للاحتلال للاستمرار في غطرسته ومخالفة كافة القوانين الدولية دون خوف من عقاب أو محاسبة. 

إن استمرار حصار قرية قصرة واستهداف أهلها بالنار والحرق والتجويع هو وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء. لم يعد مقبولاً ولا منصفاً أن يُترك هؤلاء المزارعون وحدهم يدفعون ثمن بقائهم في أرض الآباء والأجداد. المطلوب الآن هو التدخل الفوري والحاسم من قبل الشرفاء في هذا العالم، والمؤسسات الحقوقية والدولية، لفرض حماية دولية عاجلة لأهالي القرية، ولجم إرهاب المستوطنين المنظم ومحاسبة قادتهم أمام المحاكم الدولية. إن إنقاذ قصرة ليس مجرد واجب سياسي، بل هو اختبار حقيقي لما تبقى من ضمير وإنسانية في هذا العالم، فالتاريخ لن يرحم المتواطئين بالصمت، والأرض لن تنسى من سقاها بدمه دفاعاً عن كرامتها وعروبتها.