ظلال غزة فوق ميشيغان: عندما تشحذ ملايين "آيباك" نصال الدعاية المرتدة
كيف غيرت أحداث غزة وجه المعركة الانتخابية في ميشيغان وتراجع الجمهوريين عن دعم آيباك خوفاً من غضب الناخبين العرب والشباب في صراع محموم.
بقلم: د. علاء أبوعامر
تتنفس ولاية ميشيغان الأمريكية هذه الأيام مجازاً سياسياً لم يألفه تاريخها الانتخابي، حيث أصبحت كواليس التنافس على مقعد مجلس الشيوخ أشبه بمرآة تعكس تصدع الثوابت القديمة. ففي غمرة السباق المحموم، وبخطوة مشوبة بالحذر البالغ، التفت المرشح الجمهوري مايك روجرز نحو قادة لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك)، طالباً منهم في خفاء الغرف المغلقة أن يكفوا عن إعلان ولائهم له، وأن يطووا لافتات دعمهم العلني في عتمة الصمت، خشية أن تتحول أموال المنظمة العاتية إلى عبء انتخابي ثقيل يقصم ظهر حملته.
هذا التراجع لم يكن مجرد مناورة تكتيكية عابرة، بل جاء اعترافاً صريحاً بأن المزاج الشعبي الأمريكي يمر بتحول وجودي عميق تحت وطأة المشاهد القادمة من قطاع غزة. فالدعم المالي والإعلامي الفج الذي كان يوماً ما صك الغفران والعبور الآمن نحو قبة الكابيتول، استحال اليوم في حسابات روجرز وفريقه عبئاً سياسياً وسلاحاً ذا حدين، إذ يخشى الرجل أن يستثير هذا التدفق المالي حفيظة الناخبين، لا سيما في ولاية تحتضن كتلة وازنة من العرب والمسلمين والشباب الغاضبين من رداءة الموقف الرسمي تجاه الحرب.
على الضفة الأخرى، التقط المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خيوط هذا الارتباك بذكاء، وحوّل تلك التسريبات إلى وقود متجدد لمعركته. وبدلاً من أن يترنح أمام آلة "آيباك" التي أنفقت ما يزيد عن ثلاثين مليون دولار في المحطات السابقة لإسقاطه، تقدم السيد بخطى واثقة عارضاً ذاته في ثوب المرشح الشعبي الذي يستمد شرعيته من تبرعات صغار الناخبين وحماس آلاف المتطوعين، معتبراً أن تواري منافسه خلف ستار الخجل من حلفائه هو الإدانة الأكبر لسياسة المال السياسي الفاسد وارتهان الإرادة المحلية للوبيات المصالح الكبرى.
هذا التناحر الصامت، المشحون بغضب قيادات المنظمة التي جُرح كبرياؤها السياسي بطلب الجمهوريين التراجع، وضع استطلاعات الرأي في حالة من الاشتعال الشديد والتساوي الرقمي الحرج. فالأرقام المتقاربة التي تفصل بين المتنافسين بنقطة أو نقطتين تعكس انقساماً مجتمعياً أفقياً، حيث يستند روجرز إلى ولاء القواعد الحزبية التقليدية والناخبين الأكبر سناً، بينما يندفع السيد بدعم جارف من جيل الشباب والمستقلين الذين ضاقوا ذرعاً بالخطاب السياسي التقليدي.
في الختام، فإن ما تشهده ميشيغان يمثل فصلاً جديداً من فصول الوعي الانتخابي الأمريكي، يثبت أن أصوات الملايين المدفوعة في العتمة لم تعد كافية لتوجيه بوصلة الصناديق. لقد أعادت نيران غزة رسم خارطة النفوذ في الداخل الأمريكي، لتؤكد أن دماء الضحايا البعيدة باتت قادرة على زلزلة الحسابات السياسية القريبة، وأن صوت الناخب الحر يمكنه أن يقف نداً عنيداً أمام أعتى اللوبيات وأموالها المتدفقة.