أصالة الهوية في أطباق الشعوب: المدن تخلد أسماء صناعها
اكتشف كيف تخلد أسماء المدن العربية أصالة أطباقها وحلوياتها التاريخية كالنابلسية والمسقوف في وجه محاولات التزييف والسطو الثقافي
بقلم:د. علاء أبوعامر
تقف شواهد التاريخ والتراث سداً منيعاً في وجه موجات التزييف والتحريف التي تضج بها منصات التواصل الاجتماعي، فالحقائق التاريخية الراسخة لا تذروها رياح الادعاءات العابرة، والأصل يظل ثابتاً مهما تعددت الروايات المصطنعة. إن نسبة المبتكرات والمنتجات إلى حاضنتها الأولى ليست مجرد تسمية عفوية، بل هي صك ملكية فكرية وحضارية صاغته الجغرافيا وتوارثته الأجيال. وكما يشهد القماش الدمشقي العريق لدمشق بالريادة، والنسيج الموصلي للموصل بالبراعة، والكوفية لمدينة الكوفة التي احتضنت حياكتها ونشرتها تجارياً، فإن الأطباق والحلويات الشهيرة تحمل هي الأخرى أسماء المدن التي شهدت ولادتها وضبطت أسرار صنفتها الأولى.
وعندما يتردد صدى "الكنافة النابلسية" في دمشق وبيروت وعمان وسائر الحواضر العربية، فإن اللسان ينطق بالحقيقة التلقائية دون عناء، حيث أصبحت كلمة "نابلسية" بذاتها مرادفة لتلك الحلوى الدافئة المحشوة بالجبن السايح، متجاوزة في كثير من الأحيان لفظة "كنافة" نفسها. إن هذا الارتباط الشرطي بين المنتج ومدينته هو أقوى رد على الخرافات التي تحاول عبثاً تزييف وعي التاريخ ونسبتها إلى عصور أو أماكن أخرى. ولعل الخصوصية الفلسطينية في هذا الفن تتجلى في التنوع الذي يحفظ لكل مدينة بصمتها؛ فلأهل غزة كَنافتهم الغزاوية أو العربية الغنية بالمكسرات والقرفة، ولرملة وفائها لـ "الرملاوية" التي صاغتها أيدي أبنائها قبل النكبة والاحتلال، لتظل هذه المدن الفلسطينية شواهد حية على هوية لا تقبل السلب أو التزوير.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على فلسطين وحدها، بل إن بلاد الشام والعالم العربي يزخران بشواهد تثبت أن للمدن بصمات لا تمحى على موائدها. ففي سوريا، تتألق "الهريسة النبكية" المنسوبة لمدينة النبك في القلمون، لتتمايز بنكهتها وطريقة صنعها عن أي هريسة أخرى. وإذا يممنا وجوهنا شطر المطبخ الحلبي، نجد "الكبة الحلبية" التي صارت علامة مسجلة باسم حلب الشهباء، بتنوع أشكالها وإتقان حشواتها التي لا يضاهيها فيها أحد. وفي العراق، تبرز "المسكوف البغدادي" كطريقة فريدة لطهي السمك ارتبطت بضفاف دجلة وعاصمة الرشيد، بينما تأخذنا الحلويات في تونس إلى القيروان حيث "المقروض القيرواني" الذي تفردت المدينة بصناعته التاريخية. وفي مصر، تنسب "الجبنة الدمياطي" إلى مدينة دمياط العريقة لتشهد على عراقة صناعة الألبان هناك، وتجاورها "البسبوسة الإسكندرانية" التي تميزت بها عروس البحر الأبيض المتوسط.
إن هذه التسميات لم تكن يوماً وليدة الصدفة أو مجرد ألقاب تسويقية حديثة، بل هي توثيق شعبي وتاريخي محفور في ذاكرة الشعوب. إنها تؤكد للقاصي والداني أن محاولات السطو الثقافي على وسائل التواصل الاجتماعي ستتحطم دائماً أمام نطق الناس التلقائي بالأسماء الحقيقية. سيبقى المرء يطلب "النابلسية" كلما اشتهى طعم الأصالة، وستظل المدن تحرس تراثها بأسمائها، ليبقى الحق لأصحابه، وتظل الهوية عصية على التزوير.