صدمة كاراكاس وظلال طهران: حين تسقط الحسابات وتبدأ شيخوخة الإمبراطورية
قراءة تحليلية في تداعيات السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط وفنزويلا، ومؤشرات تراجع النفوذ الإمبراطوري وصعود عالم متعدد الأقطاب.
بقلم:د. علاء أبوعامر
في دهاليز صنع القرار في واشنطن، تسير القوة أحياناً مغمضة العينين، تقودها نشوة التفوق وظن جارف بأن العالم ليس سوى رقعة شطرنج تتحرك قطعها بجرة قلم من البيت الأبيض. لكن التاريخ لا يسير دائماً على سكك التوقعات الأمريكية، وغالباً ما تصنع الهزائم المفاجئة والتحولات السريعة نقاط تحول تقلب الحسابات الاستراتيجية رأساً على عقب.
لقد شكل المشهد الدراماتيكي لسقوط فنزويلا الخاطف، متمثلاً في اعتقال نيكولاس مادورو وانحناء ديلسي رودريغيز الصادم لإملاءات دونالد ترامب، حجر الزاوية في بناء وهم أمريكي جديد. هذه الصدمة السريعة التي أطاحت بحكم كاراكاس في لحظات، جعلت الولايات المتحدة تقع في فخ "غرور القوة"، ظناً منها أن هذا النموذج الناجح يمكن استنساخه بحذافيره وتكراره بيسر في طهران. فتحت وطأة هذه النشوة، اندفعت واشنطن لتعيد قراءة دفاترها القديمة، معتقدة أن تشديد الحصار سيفضي حتماً إلى ذات المشهد الانكساري؛ لـكـنـهـا أخطأت الحسابات تماماً، واستفاقت بعد فوات الأوان على حقيقة تفيد بأنها مرغت أنفها في وحل إيراني شديد التعقيد.
لقد بنت واشنطن لسنوات طويلة استراتيجيتها تجاه الدول المناهضة لها على فرضية القوة المطلقة والإنهاك الاقتصادي. وعندما انهار المشهد في فنزويلا بلمح البصر، اعتقدت الإدارة الأمريكية أن تكرار الضغط على الشرايين الحيوية للاقتصاد الإيراني سيؤدي حتماً إلى الانهيار الذاتي ذاته، أو سيجبر القيادة الإيرانية على الركوع لتقديم تنازلات غير مشروطة.
لكن نشوة النصر في كاراكاس حجبت عن أعين الأمريكيين الفوارق الجوهرية والعميقة بين واقعين مختلفين تماماً. فبينما كانت فنزويلا تعتمد على هيكل سياسي واقتصادي هش يعيش على ريع النفط السريع، كانت إيران تدير معركتها بنظام معقد، يمتلك عمقاً أيديولوجياً، ومؤسسات عسكرية موازية، وشبكة ممتدة من الأذرع الإقليمية في الشرق الأوسط تؤمن لها هوامش واسعة للمناورة والدفاع الهجومي. وبدلاً من أن تؤدي الضغوط الأمريكية إلى عزل إيران، دفعتها نحو ارتماء استراتيجي كامل في أحضان القوى الشرقية الصاعدة مثل الصين وروسيا، مما خلق محوراً جديداً كسر الحصار الأمريكي وجعل العقوبات أداة غير حاسمة، بل ومستهلكة. هكذا تحولت الحسابات الأمريكية من رغبة في الحسم السريع إلى التورط في حرب استنزاف طويلة وباردة، أثبتت فيها طهران قدرة غير متوقعة على الصمود وتغيير قواعد اللعبة، لتجد واشنطن نفسها أمام مأزق وجودي: فإذا أقرت بهزيمتها وتراجعت، فإن ذلك التراجع سيكون بمثابة الإعلان الرسمي عن نهاية هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، وهو انكسار لن تتوقف ارتداداته عند حدود المنطقة، بل سينسحب لاحقاً ليقوض نفوذها على مستوى العالم بأسره.
هذه العثرات الاستراتيجية المتكررة، من كاراكاس إلى طهران، ومن كابول إلى مواجهات شرق أوروبا وبحر الصين، تفتح الباب على السؤال الأكبر والمؤرق الذي بات يشغل بال المفكرين والمراقبين على حد سواء: هل نعيش اليوم فصول النهاية للإمبراطورية الأمريكية؟ وهل يشهد العقد القادم تفكك هذا الكيان العظيم الذي هيمن على مقدرات الكوكب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟
المؤشرات التي تلوح في الأفق لا تدل على سقوط فجائي مدوٍ بفعل غزو خارجي، بل تشير إلى شيخوخة داخلية بطيئة وتفكك تدريجي في عصب القوة. إن الإمبراطوريات لا تموت عادة بضربة واحدة، بل تنهار من الداخل عندما يعجز اقتصادها عن تحمل تكاليف هيمنتها العسكرية، وعندما يتآكل نسيجها الاجتماعي بفعل الانقسامات السياسية الحادة، وهو تماماً ما تعيشه الولايات المتحدة اليوم من استقطاب داخلي غير مسبوق يكاد يقسم الأمة إلى فسطاطين. يضاف إلى ذلك صعود نظام عالمي متعدد الأقطاب، يتحدى فيه التنين الصيني والدب الروسي ومنظومة بريكس مجتمعة عرش الدولار وأحادية القطبية الأمريكية.
إن العقد القادم لن يكون بالضرورة شاهداً على زوال أمريكا كدولة أو غيابها التام عن الخارطة، بل سيكون على الأرجح عقد الانكفاء والتحول من إمبراطورية تحكم العالم بالإملاءات إلى قوة كبرى بين قوى أخرى، تجبر على تقاسم النفوذ والجلوس حول طاولات لم تعد هي من يحدد شكل مقاعدها أو يكتب مسودة قراراتها.
ختاماً، يمكن القول إن التاريخ يمتلك حساً ساخراً في معاقبة الواثقين بفائض قوتهم. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع لنفوذ سياسي في بقعة من الأرض أو سوء تقدير في ملفين شائكين كفنزويلا وإيران، بل هو المشهد الافتتاحي لغروب شمس الهيمنة الأمريكية المطلقة. لقد علمتنا الأيام أن القوة التي لا تلتفت للواقع، وتصم آذانها عن سنن التاريخ في التغيير والتداول، تنتهي إلى محاصرة نفسها بنفسها. ستظل الولايات المتحدة لسنوات قادمة قوة عسكرية واقتصادية هائلة، لكن هيبتها كإمبراطورية لا تقهر قد تكسرت في وجدان العالم. إن القادم من السنين سيحمل بين طياته ولادة عالم جديد، عالم أكثر تعقيداً وتعدداً، تتوزع فيه القوة بين مراكز عدة، وتتحلل فيه بالتدريج عرى الإمبراطورية التي اعتقدت يوماً أن التاريخ قد انتهى عند عتبات بيتها الأبيض، لتكتشف في النهاية أن التاريخ يطوي دائماً صفحاته القديمة ليغادر نحو آفاق لا ترحم الضعفاء ولا تغفر للمغرورين.