شراع على مشارف الأندلس.. السيرة المنسية للفاتح الفلسطيني المظلوم موسى بن نصير
تعرف على السيرة التاريخية العريقة للفاتح الفلسطيني موسى بن نصير، من نشأته في جبل الخليل وإسهاماته في فتح إفريقية والأندلس وحتى نهايته التراجيدية.
موسى بن نصير: السيرة المنسية للفاتح الفلسطيني المظلوم والأندلس
بقلم: د. علاء أبوعامر
بين الصخور العاتية لجبل الخليل ومرتفعات بيت لحم في فلسطين، ولدت حكاية رجل سيكتب بحد السيف أعظم صفحات التحول في تاريخ الغرب الإسلامي. في السنة التاسعة عشرة للهجرة، وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبصر موسى بن نصير النور في جغرافيا لم تكن طارئة على العروبة، بل كانت ضاربة في عمق التاريخ؛ حيث استوطنت قبيلة لخم العربية تلك الجبال والأودية قبل الميلاد بقرون طويلة، وشيدت حواضرها وتركت أثرها في أسماء المواضع مثل "بيت لحم" أو " بيت لخم" التي ارتبطت تاريخياً بوجودهم القديم ومعابدهم الأولى (ابن كثير، 1998؛ الذهبي، 2006). من هذا الإرث الحضاري المتجذر ولد موسى لأب سبي من تلك الربوع، حيث تذكر الروايات التاريخية أن والده نصير وقع في الأسر من منطقة جبل الخليل أو من قرية كفر مثري التابعة لها بالشام التاريخية، والتي كانت معقلاً للعشائر اللخمية القديمة (البلاذري، 1987؛ ياقوت الحموي، 1995). وجد الصبي الصغير نفسه لاحقاً في دمشق، قلب الخلافة الأموية النابض، حيث نشأ والده نصير رئيساً لحرس معاوية بن أبي سفيان (ابن عساكر، 1995). هذه النشأة في أروقة الحكم صقلت من موسى شاباً يجمع بين بلاغة الشام وحكمة البداوة، فحفظ القرآن وروى الحديث عن ابن موطنه الصحابي الجليل تميم الداري اللخمي الفِلسطيني، الذي نال من النبي صلى الله عليه وسلم أول إقطاع ووقف في الخليل تفعيلاً للوجود العربي القديم هناك، وجلس في مجالس الكبار يتعلم كيف تساس الدول وتدار الجيوش، قبل أن يختبر وعورة البحار قائداً لغزو قبرص وبانياً لحصونها (ابن عساكر، 1995).
صداقات مفصلية ومحطات في بلاد المغرب
لم تكن طريق موسى مفروشة بالورود، بل كانت سياسة الممالك تختبر حبال الصداقة وقوة التحالفات. حين رماه الحجاج بن يوسف الثقفي بأسهمه في أزمة خراج البصرة متخذاً من وشايات المال ذريعة لإقصائه، تجلت قيمة الصداقة السياسية في أبهى صورها (ابن عبد الحكم، 1995). فر موسى بن نصير إلى مصر مستجيراً بواليها عبد العزيز بن مروان. وجد في ابن مروان نِعم الأخ والصديق؛ فلم يكتفِ الوالي بحمايته فحسب، بل دفع عنه غرامة مالية باهظة للخليفة من ماله الخاص، وقدمه كقائد فذ لا يمكن للتاريخ أن يخسره، وهي اللحظة الفارقة التي غيرت مجرى حياة موسى ومستقبل إفريقية والأندلس (ابن عبد الحكم، 1995).
وعندما تسلم موسى بن نصير ولاية إفريقية، تجلت عبقريته العسكرية التي اعتمدت على إستراتيجية الاحتواء لا الإخضاع بالقوة المجردة. لم ينظر إلى قبائل البربر كأعداء مهزومين، بل عاملهم كشركاء في العقيدة والوطن، فأسلموا على يديه وحولهم برؤيته الثاقبة من متمردين إلى نواة للجيش الفاتح، وكان من بينهم مولاه طارق بن زياد (ابن عذاري المراكشي, 1983). تجسدت عبقريته في قدرته على القتال في جبهات متعددة، وبناء الأساطيل البحرية لضمان تفوق المسلمين في البحر الأبيض المتوسط.
وفي حكمه، سار بسيرة عادلة تقوم على استرداد الحقوق وتنظيم الإدارة وسك العملات (المالكي، 1994). تشهد الدنانير الذهبية والأرباع والأنصاف التي ضربها في إفريقية على وعيه بأهمية السيادة الاقتصادية؛ حيث نقش عليها العبارات الإسلامية إلى جانب اللاتينية لتسهيل المعاملات، في خطوة أبهرت المؤرخين وأثبتت بعد نظره الإداري والسياسي (المغربي، 2015؛ Walker, 1956).
بين هالة التقديس واتهامات الخصوم
هذا المزيج الفريد من الحزم والروحانية جعل بعض المصادر التاريخية والكنسية اللاحقة، لا سيما في المخيال الشعبي لبعض المناطق المفتوحة، تحيطه بهالة من القداسة وتصوره كشخصية تقترب من القديسين، مستندين إلى ورعه الشديد واستجابته للدعاء وإلحاحه في العبادة قبل خوض المعارك، حتى نُسيت عرجته البدنية أمام مهابته وضخامة بنيته (المقري التلمساني، 1997؛ مجهول، 1989). في المقابل، ناصبه آخرون العداء والذم؛ فرأى فيه بعض خصومه السياسيين رجلاً طاغية مفرط الطموح، واتهمه الحجاج والخليفة سليمان بن عبد الملك لاحقاً بالجشع والاستئثار بالغنائم وكنوز الأندلس الأسطورية، وهي تهم كانت تحركها دائماً غيرة المنافسة والخوف من تعاظم نفوذ القادة الفاتحين الذين قد يهددون عروش الخلافة في المشرق (المقري التلمساني، 1997).
النهاية التراجيدية لأسطورة الفتح
وكما تصنع الأقدار نهايات تراجيدية للملوك والقادة، اختتم موسى بن نصير حياته بفصل مبكٍ يقهر النفس. استدعاه الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى دمشق في أواخر أيامه، وحين وصل كان الوليد يحتضر ليتسلم الحكم أخوه سليمان بن عبد الملك الذي كان يحمل ضغينة قديمة عليه (مجهول، 1989). عزل سليمان القائد العجوز وصادر كل أملاكه وضربه بغرامة أثقلت كاهله، حتى تحول فاتح الأندلس ومزلزل عروش القوط إلى شيخ فقير معدم، يطوف في ركاب الخليفة مستجدياً العطف. وفي سنة سبع وتسعين للهجرة، وهو في طريقه إلى الحج برفقة سليمان نفسه، أسلم موسى بن نصير الروح بائساً وحيداً في وادي القرى، ليموت جسد الرجل الذي فتح بلاداً شاسعة، وتبدأ أسطورته الحية التي لم تزدها الأيام إلا بريقاً وإنصافاً (ابن عبد الحكم، 1995؛ الذهبي، 2006).
د. علاء أبو عامر | يلا نيوز نت
تاريخ النشر: 18/08/2026