أكذوبة التميز الديني في أركيولوجيا فليكنشتاين: عندما تحمي الهوية الصهيونية خرافات التوراة لشرعنة الاستيطان
كيف توظف الآلة الصهيونية أركيولوجيا إسرائيل فينلكشتاين لتزوير التاريخ الكنعاني وشرعنة الاستيطان عبر خرافة التميز الديني المزعوم لسكان المرتفعات.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تسخر الآلة الاستيطانية الصهيونية كل طاقاتها، من فوهات البنادق إلى مجارف التنقيب عن الآثار، لصناعة تاريخ ممتد من العدم يبرر نهب الأرض وتشريد أصحابها. وفي هذا الفضاء المأزوم، يبرز كتاب "التوراة مكشوفة على حقيقتها" لعالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فينلكشتاين كنموذج صارخ للاستعمار الأكاديمي؛ إذ يرتدي مسوح العلم والنزاهة ليمارس أخبث أنواع التزوير التاريخي. يعترف الرجل بوضوح، تحت وطأة المكتشفات الأثرية والحقائق الجينية الدامغة، بأن الجماعات التي استوطنت تلال يهودا والسامرة في العصر الحديدي لم تكن سوى امتداد طبيعي وفصيل أصيل من السكان الكنعانيين الأوائل وبدو المنطقة، يتحدثون لغتهم ويتشابهون في جيناتهم وعاداتهم. لكن هذا الاعتراف يظل مجرد فخ؛ إذ سرعان ما يستيقظ "المستوطن الكامن" داخل الأكاديمي الصهيوني، فيرتد إلى الخلف ليفصل لهؤلاء السكان تميزاً دينياً وهالة مقدسة لا وجود لها في السجل الأركيولوجي، متشبثاً بفرضية مضحكة تزعم تفردهم العقائدي لمجرد أنهم لم يربوا الخنازير ولم يأكلوا لحومها.
وتكمن الخطورة الكبرى والقاتلة في طرح فينلكشتاين في هذا المنعطف التزويري تحديداً؛ فإقراره بكنعانية سكان المرتفعات لم يكن تنزيهاً للعلم، بل كان وسيلة خبيثة لمنح الحركة الصهيونية ضوءاً أخضر لانتحال وتملك التاريخ الكنعاني بأكمله! فوفقاً لـ فينلكشتاين، هؤلاء السكان هم كنعانيون بأصولهم، لكنهم في الوقت ذاته "إسرائيليون" لأنهم تميزوا بدين جديد ومختلف تمحور حول مقاطعة الخنازير. إن هذا الادعاء يمثل تحايلاً صارخاً على المنطق العلمي وسياق الحياة الاقتصادية والبيئية في تلك الحقبة. فامتناع المجموعات البدوية والرعوية في المرتفعات عن تربية الخنازير لم يكن نابعاً من تشريع ديني سماوي أو وعي عقائدي متفرد، بل هو نتاج طبيعي لنمط الحياة الرعوية والظروف البيئية القاسية. فالخنزير بطبيعته البيولوجية حيوان مستقر، لا يعيش في قطعان متنقلة، ولا يمتلك القدرة على تحمل الحرارة العالية والجفاف، ولا يمكنه السير لمسافات طويلة بحثاً عن الكلأ كما تفعل الأغنام والماعز. بناءً على ذلك، فإن غياب عظام الخنازير في المواقع الرعوية الجبلية هو انعكاس لنمط المعيشة الحركي والبيئة الجغرافية، وليس دليلاً على هوية دينية مسبقة، إذ إن كل الشعوب البدوية عبر التاريخ وفي مختلف الصقاع تجنبت تربية الخنازير للسبب عينه.
علاوة على ذلك، فإن المكتشفات الأثرية ذاتها تكذب تماماً فرخية "التميز الديني الموحّد" التي يحاول فينلكشتاين تسويقها؛ إذ تبين اللقى الأثرية في مواقع المرتفعات أن سكانها كانوا أصحاب عقائد شركية وتعددية كنعانية خالصة. فقد عُثر في بيوتهم ومزاراتهم على تماثيل المعبودة الكنعانية "أشيرة" (إلهة الخصوب والأمومة الكنعانية) وأدوات عبادة الإله "إيل" والإله "بعل"، وهو ما يتطابق بالكامل مع عقائد سائر أهل البلاد من الكنعانيين الفلسطينيين في السهول والسواحل. لم يكن هناك أي دين توحيدي أو تمايز روحي يعزل أولئك الرعاة الجبليين، بل كانوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الديني والاجتماعي الكنعاني العام.
لم يمر هذا التلاعب المعرفي دون تعرية كاملة من رواد "المدرسة التفكيكية" الجذريين في علم الآثار، وتحديداً "مدرسة كوبنهاغن" التاريخية. فقد فضح هؤلاء العلماء محاولة فينلكشتاين البائسة للإبقاء على الحد الأدنى من السردية الصهيونية عبر اختلاق تمايز موهوم للسكان الكنعانيين الجبليين لإطلاق تسمية "الإسرائيليين الأوائل" عليهم بهدف تهويد الآثار والبيئة قسراً. وفي هذا السياق، يفكك العالم البريطاني الشهير كيث ويتلام في كتابه [اختراع إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني] هذه الازدواجية، مؤكداً أن ما يفعله فينلكشتاين هو امتداد لـ "خطاب استشراقي" طويل عمل على مصادرة التاريخ لصالح المشروع الصهيوني. ويقول ويتلام بوضوح في مؤلفه:
"إن البحث الأركيولوجي المعاصر الذي يركز على تلال الضفة الغربية " يهودا والسامرة" ليس بحثاً علمياً مجرداً، بل هو في جوهره، وسواء أكان ذلك عن وعي أو دون وعي، بحث عن هوية وطنية تُستخدم لتعزيز كبرياء ومعنويات الجماعات الصهيونية وشرعنة مطالبها السياسية بالأرض على حساب السكان الأصليين".
ويضيف ويتلام كاشفاً آلية الإقصاء الممنهج التي يمارسها فينلكشتاين عبر تركيزه على جغرافيا الاستيطان المعاصر:
"إن الهوس بالبحث عما يُسمى 'إسرائيل القديمة' في المرتفعات الوسطى يحجب الأسئلة الأوسع حول التاريخ الحضاري الشامل لفلسطين القديمة، مما يؤدي إلى إسكات الواقع التاريخي الأكبر أو جعله مجرد تابع ثانوي للكيان الإسرائيلي المخترع".
من هنا، تظهر الأطروحة التفكيكية أن فينلكشتاين، رغم نقده الظاهري لبعض الخرافات التوراتية، يظل أداة أيديولوجية خبيثة؛ فهو يسرق التاريخ الحضاري والديني للكنعانيين الفلسطينيين، ويمسخ سلوكهم البيئي واليومي ليخلق فواصل وهمية تخدم الفكر الصهيوني الحديث، وتمنح المستوطن الغريب حق السيطرة على إرث أصحاب الأرض الحقيقيين.
وفي الختام، يسقط قناع النزاهة العلمية المزعوم عن وجه الأركيولوجيا الصهيونية، ليتضح أن فينلكشتاين ليس سوى "مهندس ديكور" يحاول ترميم جدران الخرافة التوراتية الآيلة للسقوط عبر بوابات الالتفاف وانتحال الكنعانية، متواطئاً بشكل سافر مع جرافات الاستيطان العسكري التي تجرف بيوت الفلسطينيين اليوم فوق المرتفعات ذاتها. إن هذا التناقض المعرفي الفاضح، الذي عرّته مدرسة كوبنهاغن والمكتشفات الشركية، يثبت أن العقل الأكاديمي الصهيوني عاجز بنيوياً عن إنتاج علم مجرد؛ لأنه محكوم بعقدة الوجود الاستعماري، فيمسخ الضرورات المعيشية والعقائد المشتركة للرعاة الكنعانيين الفلسطينيين ويحولها إلى "صكوك ملكية مقدسة" تُمنح لقطعان المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
إن هذا التلاعب المعرفي يفضح بؤس الفكر الصهيوني الذي يلهث وراء "روث خنزير" وعظامه ليصنع منها وطناً وتاريخاً وهوية بعد أن كذبت الآثار التوحيد المزعوم وأثبتت شركيتهم الكنعانية؛ فأن تتحول الطبيعة البيولوجية لحيوان لا يحتمل الحرارة إلى وثيقة طابو دينية وشرعية دولية لانتحال التاريخ الكنعاني كله، لهو قمة الإفلاس العلمي والتزوير الساقط الذي يحاول عبثاً تسييس الطبيعة والبيئة لمباركة السرقة، وشرعنة الاستيطان، ومنح القتلة صكاً إلهياً مزيفاً يبيح غسل دماء أصحاب الأرض الحقيقيين: الكنعانيين الفلسطينيين.