سُطور الطَّرْس وفُصول النَّقْش: كيف تَهَوَّدَت قبائل العرب في مَطاوِي التاريخ؟
استكشف جذور الهوية وتاريخ تهود قبائل العرب القديمة في الحجاز والشام واليمن، وكيف تفاعلت مع الديانات التوحيدية بعيداً عن الروايات الاستعمارية.
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم يكن التاريخ يوماً خطاً مستقيماً، بل كان دائماً نسيجاً متداخلاً يصنعه الإنسان حيرةً ويقيناً، واعتناقاً وارتداداً. ومن بين الفصول التي طواها النسيان المتعمَّد، أو تاهت في زحام التحيزات الأيديولوجية الحديثة، فصل عريض يسرد قصة الهوية الدينية لشعوب المشرق وقبائل العرب، وكيف أن هذه القبائل الضاربة في عمق البداوة والتحضر لم تكن مجرد وعاء للوثنية الجاهلية، بل كانت ساحة مفتوحة لاستقبال العقائد الدينية التي توصف بالتوحيدية، وفي مقدمتها الديانة الموسوية.
تبدأ الحكاية من الصخر الأصم في براري جنوب الأردن وفلسطين وأعماق الحجاز. هناك، حيث حفرت قبائل الأدوميين واليطوريين واللحيانيين أسماءها بمداد من كبرياء، لم يأتِ التهوّد بوصفه هجرة لعرق غريب أزاح أهل الأرض، بل جاء كتحول ثقافي وديني دهم أهل البلاد أنفسهم.فإله اليهودية هو إله عربي أصيل قبل أن يتعرف عليه الخزر والسلاف الاشكيناز في القرن الثامن الميلادي، لقد وقفت تلك القبائل، العدنانية منها والقحطانية، أمام وهج الرسالة الموسوية القديمة، رسالة التوحيد الأولى قبل أن تدخل في قوالب التمذهب الضيقة. تحولت شعوب بأكملها، كالأدوميين العرب الذين أنجبوا ملوكاً حكموا القدس، إلى الشريعة الموسوية، واندمجت دماؤهم بعقيدتهم الجديدة حتى صار الحجر يلهج بأسماء التوحيد بالخطوط النبطية والثمودية والمسند اليمني، شاهدةً على أن الدين كان خياراً فكرياً وحضارياً، وليس جينات منغلقة تنتمي لسلالة وهمية دون غيرها.
ومع تبدل الفصول التاريخية وانكفاء الإمبراطوريات، شهدت جزيرة العرب تحولاً آخر بعد القرن الخامس الميلادي. لم يعد التهوّد مقتصراً على الموسوية الفطرية الأولى، بل دخلت فروع كبرى من كبار القبائل كحمير في اليمن، وكندة في نجد، وغطفان وبني كلاب وأشجع في الحجاز، في طور جديد من التدين بالحاخامية التلمودية. لقد كان هذا التدين مدفوعاً بظروف سياسية معقدة وصراعات نفوذ بين القوى الكبرى آنك، متمثلة في الإمبراطورية البيزنطية المسيحية من جهة، والدولة الساسانية الفارسية وحلفائها من جهة أخرى. تبنت تلك القبائل القوانين الفقهية الحاخامية، ونظمت حياتها في الواحات والحصون على أحكام السبت والشرائع الموسوية المتأخرة، دون أن تنخلع يوماً عن عروبتها الخالصة، ودون أن تتخلى عن لغتها الفصحى وقيم المروءة والفروسية العربية، فكان الشاعر اليهودي الجاهلي كالسمؤال يفاخر بقبيلته وعرضه تماماً كما يفاخر بعقيدته .
إن التدقيق في هذا الإرث المنسي يعيد ترتيب أوراق التاريخ المبعثرة، ويحطم تلك الأسطورة الاستعمارية الحديثة التي حاولت حصر اليهودية في عرق بشرى نقي موهوم ومفبرك هبط من السماء أو أتى من الشتات ليقصي أصحاب الأرض. فالنقوش الصخرية والمرويات التراثية تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الذين سكنوا الحصون والآطام في يثرب، والذين زرعوا نخيل تيماء وخيبر، والذين أقاموا الممالك في اليمن وجنوب الشام، كانوا في غالبهم أبناء هذه الأرض، عرباً أقحاحاً بالدم واللسان والمنشأ، تدينوا بالموسوية والحاخامية اليهودية المتأخرة كخيار روحي وسياسي، قبل أن تتغير موازين الأرض بظهور الإسلام الذي أعاد صياغة الهوية الروحية للمنطقة برمتها.
تظل جغرافيا العرب مستودعاً للأسرار يحرص الصخر على حراستها حين تخون الكتب أمانتها، حيث تتجلى حقيقة الأرض في هويات القبائل التي عبرت مدارج الإيمان؛ فمنها من استمسك بالموسوية القديمة وتوحيدها الأول كقبائل العرب الشمالية من الأدوميين، واليطوريين، والقيداريين، إلى جانب بطون من لحيان وثمود، ومنها من تحول بعد القرن الخامس الميلادي إلى اليهودية الحاخامية الفقهية، متمثلة في قبائل يمنية قحطانية كبرى كملوك حِمْير، وكِندة، وجُذام (التي انحدرت منها قبائل يثرب كبني النضير وبني قريظة)، وقبائل عربية شمالية عدنانية كـ غطفان (بأشجعها وثعلبتها)، وبني كِلاب، وكنانة، وبني أسد. إن هذا التنوع القبلي يرفع الغطاء عن التزوير ليعلن أن العقائد والشرائع تمر وتتحول، وتصعد وتسقط، لكن الإنسان العربي يبقى متجذراً في ترابه، حاملاً هويته الأصيلة التي لا تمحوها العصور ولا تزورها الأقلام.