سراب العرش وبخور الشمال: تفكيك أسطورة سليمان وملكة سبأ

اكتشاف الحقيقة التاريخية لملكة سبأ والملك سليمان وعلاقتها بواحة تيماء

سراب العرش وبخور الشمال: تفكيك أسطورة سليمان وملكة سبأ
سراب العرش وبخور الشمال: تفكيك أسطورة سليمان وملكة سبأ

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في عتمة التاريخ البعيد، حيكت أساطير سحرت العقول لقرون، وسارت الركبان بقصة مَلِكةٍ غامضةٍ أقبلت من أطراف الأرض، تحركها الأسئلة، وتحرسها عروش الطير، لتقف مذهولةً أمام حكمةِ ملِكٍ سخر الإنس والجن والريح. هذه الحكاية التي طالما غُنيت في معبد "حرد العربي المقدس" في أورشليم ودُونت في بطون الأسفار، بقيت زمناً طويلاً حقيقةً لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. غير أن معول علم الآثار الحديث، ونقد النصوص التاريخية، جاءا ليوقظا الضمير المعرفي من غفوته، ويضعا تلك الملحمة الروحية في ميزان العلم الصارم، ليعيدا تركيب المشهد وفق أحجام تاريخية حقيقية خالية من بريق المبالغات.

تبدأ الرواية في العهد القديم، حيث يفيض سفرا الملوك الأول وأخبار الأيام الثاني بحديث مقتضب ومبهر عن زيارة "ملكة سبأ" للملك سليمان، حاملةً أطياباً وذهباً لتمتحنه بألغازها. وحين نقتفي أثر اللفظ في العهد الجديد، يتبدل الوصف ليعود بالملكة إلى مسمى "ملكة التَّيْمَن" أو ملكة الجنوب. وهنا تتبدى العبقرية اللغوية والجغرافية الكامنة في اللفظ؛ فكلمة "التَّيْمَن" لم تأتِ من فراغ لتصف مجرد اتجاه جغرافي عام، بل هي اشتقاق لغوي ونحت شامي قديم ارتبط ارتباطاً وثيقاً وعضوياً بأسماء جغرافية حقيقية وراسخة في الحجاز الشمالي، وتحديداً واحة "تَيْمَاء" التاريخية وإقليم "تَيْمَان". ففي اللغات العروبية "السامية" القديمة، تحول اسم هذه الحاضرة التجارية العظمى "تيماء" مع لاحقة التفخيم والتعريف السامية ليصبح "تَيْمَان" (Teman) ويدور الحديثةاحياناةعن حاصرتين ياسمين متشابهين إحداهما ادومية وهي ايمان والأخرى ثمودية أو قيدارية وهي تيماء.

ومن هنا، فإن عقول كتبة التوراة وسكان الشام لم تكن تذهب أبداً إلى أقصى جنوب شبه الجزيرة (اليمن الحالي) المتباعد بآلاف الكيلومترات، بل كانوا يشيرون مباشرة إلى هذا المنبع الجغرافي القريب والمؤثر في وجدانهم: إقليم تيمان وواحة تيماء والمناطق المتاخمة لها في النقب والحجاز الشمالي. هذا الربط العضوي يفسر صيرورة النص في سفر أيوب حين يجمع صراحة بين الحاضرتين في قوله: "نَظَرَتْ قَوَافِلُ تَيْمَاءَ. سَيَّارَةُ سَبَإٍ رَجَوْتُهَا"، ليؤكد أن حركة سبأ الحقيقية والملموسة في الشام كانت تنطلق وتتجمع من قلب "تيمان" والشمال الغربي.

ولم يقتصر هذا الوجود على المحطات العابرة؛ بل تكشف الأنثروبولوجيا التاريخية عن انتشار بشري وقبلي سبئي مبكر وعميق في قلب فلسطين وجنوب بلاد الشام . هذا الاستيطان السبئي تمثل في هجرات واستقرار عشائر وقبائل كبرى ذات أصول يمنية سبئية صريحة كقبائل معين، وجذام، ولخم، وعاملة، وغسان، وغيرها. والمثير أثرياً وتاريخياً أن هذا التغلغل القبلي اليماني في تخوم الشام وفلسطين والنقب قد حدث قبل انهيار سد مأرب بقرون طويلة، خلافاً للمرويات الشعبية اللاحقة؛ إذ تحركت هذه المجموعات كعائلات تجارية وقوى عشائرية منظمة لتأمين شبكات القوافل الممتدة وحمايتها. هذا التواجد البشري الكثيف لـ "السبئيين" في جغرافية فلسطين والنقب جعل التفاعل والاحتكاك الثقافي واليومي بينهم وبين سكان الجبال المحبوسين في عزلتهم وسط الضفة الغربية واقعاً قريباً ومستداماً.

وهنا تبرز المفارقة الأثرية واللغوية الكبرى التي تفكك الأسطورة وتعيدها إلى حجمها الطبيعي، وهي تفكيك مصطلحات "الملك" و"المملكة" في الوعي العروبي "السامي" القديم. فعلم الآثار في فلسطين المحتلة، وبخاصة أبحاث مدرسة تل أبيب النقدية، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن القدس في القرن العاشر قبل الميلاد لم تكن عاصمة لإمبراطورية أسطورية تسير الجيوش المجرارة. لم يكن سليمان سوى "شيخ مشيخة ريفية وبدوية" تحكم قرى طينية وتلالاً جبلية معزولة في القدس وضواحيها، يمارس أتباعه زراعة الكفاف ورعي الماشية، حتى أن أقدس مقدساتهم -تابوت العهد- كان يُنقل في خيمة بدوية متنقلة تشبه تقاليد القبائل العربية.

وفي المقابل، إذا أدرنا وجوهنا شطر اليمن، يصفعنا صمت النقوش المسندية؛ فبين آلاف الألواح الحجرية والخشيبات التي دون فيها ملوك سبأ أدق تفاصيل حياتهم وحروبهم وقوانينهم، لا يوجد ذكر واحد لملك يُدعى سليمان، كما أن حضارة اليمن القديم لم تعرف قط في تاريخها كله حكماً لامرأة، بل كان العرش حكراً مطلقاً على الرجال. إذاً، من كانت تلك المرأة؟ ومن أين استلهم كتبة النصوص تفاصيلها؟

إنها لم تكن ملكة بالمعنى الإمبراطوري المعاصر، بل كانت "شيخة قبيلة" أو رئيسة جالية تجارية وعشائرية تنتمي لإحدى تلك المجموعات السبئية المستقرة في تيمان أو بادية النقب. ففي اللغات السامية القديمة، كان لفظ "ملك" أو "ملكة" يُطلق مجازاً على شيوخ القبائل وحكام الواحات الصغيرة المستقلة. وفي تلك البوادي الشمالية وتخوم الشام، كان التقليد السياسي يمنح النساء حق قيادة القبائل وحماية الواحات، فالنصوص الآشورية المعاصرة تعج بأسماء ملكات عربيات شماليات حكمن القوافل كالملكة زبيبة وشمسة ويثيعة. ومن رحم هذه البيئة الثقافية الشمالية الممتزجة بالاستيطان القبلي، ولد اسم "بلقيس" عبر النحت اللغوي من دمج لفظ "بعلة قيس" أو "بل قيس" أي سيدة قيس، وهو اسم وثيق الصلة بقبائل وبوادي الشمال لا الجنوب .

إن الحدث التاريخي البسيط يتلخص في لقاء محلي عادي بين "شيخ تلال القدس" (سليمان) و"شيخة قوافل سبئية" نزلت من واحات تيمان والنقب لترتيب أمور تجارية، أو دفع مكوس ممر، أو مقايضة الأطياب بالمحاصيل الجبلية. هذا اللقاء العادي جداً دخل في الذاكرة الشفوية الشعبية لسكان الجبال المعزولين. وبمرور مئات السنين، وتحديداً أثناء السبي البابلي، قام كتبة التوراة بنفخ الروح الأسطورية في هذه الذاكرة تعويضاً عن هزائمهم السياسية، فحولوا شيخ التلال البدوية المعزول إلى إمبراطور يملك الجن والريح، وحولوا شيخة القوافل والقبائل السبئية في النقب إلى ملكة عظيمة تقطع الفيافي محملة بأطنان من الذهب الافتراضي.

 إن قصة لقاء سليمان بملكة سبأ في صورتها الأسطورية والملحمية هي صياغة أدبية وفنية متأخرة صاغها كتبة العهد القديم، مدفوعين برغبة نفسية وسياسية لصناعة مجد وهمي وتاريخ تالد يعوض صغر حجم مشيختهم وعزلتهم الجغرافية وسط الإمبراطوريات العظمى المحيطة بهم.

فلفظ "التيمن" يعود في أصله الجغرافي والاشتقاقي إلى واحة "تيماء" وإقليم "تيمان" في الشمال الغربي للجزيرة العربية، مما يبرهن على أن المسرح الحقيقي للأحداث كان وثيق الصلة بهذه الواحات الشمالية القريبة من صحراء النقب وجنوب فلسطين.

أيضاً الانتشار والوجود القبلي السبئي اليماني (مثل لخم، وجذام، ومعين) في فلسطين وجنوب الشام سبَق تهدم سد مأرب بزمن طويل، وكان الغرض منه إدارة وحماية المحاور التجارية، مما يفسر سبب حضور اسم "سبأ" بكثافة في الوعي الجغرافي الفلسطيني القديم .

وعليه، لم يكن اللقاء بين إمبراطوريتين، بل كان تفاعلاً قبلياً بين شيخ قبيلة محلي في تلال القدس (سليمان)، وشيخة قبيلة أو رئيسة جالية سبئية (بعلة قيس) تدير قوافل تيمان والنقب، وهو ما يفسر منطقية قطع المسافات وحركة الطيور (كالهدهد) في بيئة جغرافية واحدة متصلة.

إن تجريد الحكاية التاريخية من أثوابها الأسطورية لا يقلل من قيمتها الرمزية، بل يمنحنا فهماً أعمق وأكثر إنسانية لكيفية تشكل الوعي البشري وتطور الميثولوجيا القبلية. لقد أثبت العلم والآثار والنقد اللغوي أن التاريخ الحقيقي خلف هذا السراب الأسطوري لم يكن إلا لقاءً بسيطاً على أطراف البادية؛ حيث تحول لقاء شيخ الجبل بشيخة القافلة السبئية في تيمان والنقب، بفعل ريشة كاتب منهك في منافي السبي، إلى ملحمة ذهبية خالدة، تظل تذكرنا بأن صخور الشمال الغربي للجزيرة العربية تخبئ في نقوشها الحقائق المادية التي عجزت أساطير الورق عن حمايتها من النسيان.