التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان: هجمات عنيفة تركز على مرتفعات "علي الطاهر" بالنبطية
شنت إسرائيل فجر الخميس هجمات عنيفة بالطيران والمدفعية على جنوب لبنان، مع تركيز لافت على مرتفعات علي الطاهر في النبطية، وسط توغل بري وتفجيرات واسعة.
غارات عنيفة وتركيز استراتيجي على مرتفعات النبطية
شهد جنوب لبنان فجر الخميس تصعيداً إسرائيلياً واسعاً وغير مسبوق منذ أشهر، حيث شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات جوية عنيفة، ركزت بشكل لافت على منطقة مرتفعات علي الطاهر في قضاء النبطية، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف وتوغل بري للآليات العسكرية قرب الشريط الحدودي. ويأتي هذا التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان ليفتح جبهة جديدة من المواجهة، محولاً القرى الحدودية إلى ساحات قتال مفتوحة، وموسعاً نطاق العمليات نحو العمق اللبناني.
وأفادت مصادر ميدانية ومراسلونا في المنطقة بأن الطائرات الحربية الإسرائيلية استخدمت صواريخ ارتجاجية ثقيلة جداً في قصفها لمرتفعات علي الطاهر، مما تسبب في دوي انفجارات هائلة سمعت على امتداد قضاء النبطية ومناطق الجوار. وتجددت الغارات على منطقة حي الدير في النبطية الفوقا ومحيط المرتفعات بعد منتصف الليل، حيث نفذت الطائرات سلسلة هجمات وصفت بـ"العنيفة والمركزة"، استهدفت تحصينات ومواقع قيادية يُعتقد أنها تابعة للمقاومة الإسلامية في المنطقة، في محاولة إسرائيلية لتدمير البنية التحتية العسكرية في العمق الاستراتيجي للجنوب.
موجة اعتداءات شاملة من القرى الحدودية إلى العمق اللبناني
لم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على مرتفعات النبطية وحدها، بل امتدت لتشمل موجة واسعة من الاعتداءات طالت العديد من البلدات والقرى في جنوب لبنان. ففي وقت متزامن، تعرضت كل من بلدات المنصوري، حداثا، مركبا، بيت ليف، حولا، القنطرة، وحاريص لقصف مدفعي إسرائيلي عنيف، إلى جانب غارات جوية استهدفت أطرافها ومحيطها الزراعي. ويوضح هذا التوزيع الجغرافي للغارات أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان يهدف إلى فرض منطقة عازلة واسعة، وضرب كل النقاط التي يمكن أن تنطلق منها عمليات المقاومة، مع تشتيت جهود الدفاع الجوي الأرضي اللبناني.
وشهدت بلدتا حاريص والمنصوري قصفاً مباشراً على أطرافهما الشرقية والغربية، وسط أنباء عن أضرار مادية جسيمة في الممتلكات والبنية التحتية، لكن لم ترد حتى الآن معلومات دقيقة عن حجم الخسائر البشرية جراء هذا القصف المتواصل. كما استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي مناطق واسعة في القنطرة والنبطية الفوقا، وسط تصاعد أعمدة الدخان الكثيفة في سماء المنطقة، ما يشير إلى استخدام ذخائر حارقة أو إشعال حرائق في الغطاء النباتي جراء الانفجارات المتتالية.
توغل بري وتفجيرات ضخمة في البلدات الحدودية
إلى جانب القصف الجوي والمدفعي، كثف الجيش الإسرائيلي من عملياته البرية، حيث توغلت قوة إسرائيلية راجلة ومدرعة في الأطراف الشمالية لبلدة ميس الجبل، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف وتمشيط للأراضي بالأسلحة الرشاشة الثقيلة. ووثقت مشاهد ميدانية تحركات واسعة للآليات الإسرائيلية الثقيلة في أطراف بلدة حولا ومنطقة وادي السلوقي، في مؤشر على محاولة إسرائيلية لتوسيع رقعة السيطرة الميدانية على التضاريس الحدودية الوعرة، التي تعتبر نقاطاً استراتيجية للاشتباك المباشر مع عناصر المقاومة.
وفي تطور دراماتيكي لافت بعد منتصف الليل، نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً ضخماً جداً في بلدة كفرتبنيت الواقعة في قضاء النبطية، وسط أنباء عن استخدام كميات كبيرة من المتفجرات لإسقاط مبانٍ أو أنفاق تحت الأرض. واهتزت البلدة جراء الانفجار الهائل الذي أحدث فوهة عميقة في الأرض، وتزامن ذلك مع قصف مدفعي عنيف استهدف بلدتي القصير وبني حيان ومنطقة وادي الحجير، مما يشير إلى أن العملية جزء من خطة إسرائيلية أوسع لتطهير المنطقة بشكل منهجي من البنى التحتية القتالية.
تحليق مكثف للطيران الحربي يكسر حاجز الصمت في بيروت وجبل لبنان
لم يقتصر النشاط الجوي الإسرائيلي على أجواء الجنوب، بل امتد بشكل لافت وغير معتاد إلى سماء العاصمة اللبنانية بيروت ومحافظة جبل لبنان ومنطقة الشوف وصيدا. وأفاد مراسلونا عن تحليق مكثف لطائرات حربية إسرائيلية على علو منخفض في هذه المناطق، ما أثار حالة من الذعر والخوف بين السكان، خاصة بعد شهور من الهدوء النسبي في هذه المناطق البعيدة عن خطوط التماس المباشرة.
ويرى مراقبون عسكريون أن هذا التحليق المكثف شمالاً يحمل رسائل ترهيب واضحة للحكومة اللبنانية والقوى السياسية في الداخل، كما أنه قد يكون بمثابة غطاء جوي لعمليات استطلاع إلكتروني وبصري لجمع معلومات عن تحركات المقاومة في المناطق الخلفية. كذلك، قد يكون هذا التوسع في المجال الجوي تمهيداً لضرب أهداف استراتيجية أبعد في حال تطورت الاشتباكات، مما يزيد من احتمالات توسع دائرة الحرب لتشمل كامل الأراضي اللبنانية.
مرتفعات "علي الطاهر".. لماذا تركزت عليها الأنظار؟
تكتسب مرتفعات علي الطاهر في قضاء النبطية أهمية استراتيجية فائقة، حيث تشرف على مساحات واسعة من الجنوب وتشكل نقطة ارتكاز طبيعية للرصد والسيطرة النارية على محاور التقدم البري. ويعتقد المحللون العسكريون أن تركيز التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان على هذه المرتفعات تحديداً، يعود إلى وجود أنظمة اتصالات أو صواريخ مضادة للطائرات أو وحدات من النخبة فيها، شكلت تهديداً مباشراً لحركة الطيران الإسرائيلي في الأيام الماضية.
وتكتسب العمليات التي تجري في هذه المرتفعات طابعاً نوعياً، حيث استخدمت إسرائيل لأول مرة منذ فترة طويلة صواريخ ارتجاجية ثقيلة جداً في هذه المنطقة، مما يدل على أن الأهداف التي يتم استهدافها محصنة وممتدة تحت الأرض، وتتطلب عبوات تفجيرية كبيرة لتدميرها بالكامل. وهذا النوع من الاستهداف يعكس تحولاً في التكتيكات الإسرائيلية من الردع السريع إلى حرب الاستنزاف المنهجية ضد القدرات العملياتية للمقاومة.
تداعيات التصعيد على الاستقرار الإقليمي
يأتي هذا التصعيد الخطير في وقت تشهد فيه المنطقة هشاشة أمنية كبيرة، وسط مخاوف من انزلاق الأمور نحو حرب شاملة على غرار حرب يوليو 2006. وتتزايد الدعوات الدولية والإقليمية لضبط النفس، لكن الردود الميدانية الإسرائيلية تبدو وكأنها تتبع استراتيجية "فرض الحقائق" على الأرض، متجاهلة التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية وشيكة في الجنوب اللبناني، خاصة مع نزوح المئات من العائلات من القرى المستهدفة باتجاه المدن الداخلية.
في المقابل، تلتزم المقاومة اللبنانية حتى ساعة كتابة هذا التقرير بحالة من الحذر الشديد، مكتفية برصد التحركات الإسرائيلية دون الرد المباشر، وهو ما يقرأه البعض على أنه جزء من إدارة المعركة وترك الخيارات مفتوحة لمواجهة موسعة في حال استمرار التوغل البري إلى داخل المناطق المأهولة. ومع استمرار القصف والتحليق، يبقى المشهد الأمني في جنوب لبنان مفتوحاً على كل الاحتمالات، وسط ترقب شديد لما ستسفر عنه ساعات الفجر الأولى من هذا اليوم المشتعل.
خلاصة المشهد الميداني
على ضوء المعطيات الميدانية، يبدو أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان دخل مرحلة جديدة عنوانها "كسر العظام" عبر استهداف العمق اللبناني من جهة، والتمشيط المنهجي للقرى الحدودية من جهة أخرى. ومع تركيز كل الأنظار على مرتفعات علي الطاهر التي تحولت إلى بؤرة التوتر الأكبر، تبقى الساعة مرجوة لمعرفة ما إذا كانت هذه العملية مجرد جولة تصعيد محدودة، أم أنها مقدمة لعملية برية واسعة النطاق تغير من قواعد الاشتباك في الجنوب إلى الأبد. ما هو مؤكد، أن هدير الطائرات وانفجارات المدفعية تركت بصمة دموية ثقيلة على فجر هذا الخميس في ربوع لبنان.
المصدر: يلا نيوز نت