الجنائية الدولية تعزل كريم خان بأغلبية 82 دولة وأوامر الاعتقال تبقى سارية
في قرار غير مسبوق، جمعية الدول الأطراف تصوت بأغلبية 82 دولة لعزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان مع تأكيد سريان أوامر الاعتقال.
أغلبية ساحقة تصوت لصالح إقالة كريم خان في نيويورك
في تطور تاريخي وغير مسبوق منذ تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، صوتت الدول الأعضاء في المحكمة، يوم الجمعة الموافق 24 تموز / يوليو 2026، لمصلحة عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان من منصبه، وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بسوء سلوك جنسي ظل ينفيها جملة وتفصيلاً. ويعتبر هذا القرار نقطة تحول مفصلية في مسار المحكمة التي تتخذ من مدينة لاهاي هولندية مقراً لها، حيث لم يشهد تاريخها إقالة أي مدع عام منتخب قبل انتهاء ولايته الرسمية.
ونقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى أن 82 دولة من أصل 125 دولة عضواً أيدت إقالة خان خلال اقتراع سري حاسم عقدته جمعية الدول الأطراف في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك. ووفقاً للوائح التنظيمية المنظمة لعمل المحكمة، كان تمرير قرار العزل يحتاج إلى أغلبية مطلقة لا تقل عن 63 صوتاً، وهو ما تجاوزته نتيجة التصويت بفارق كبير ليتم اعتماد الإقالة رسمياً بشكل فوري.
من جانبها، أكدت وكالة «أسوشييتد برس»، نقلاً عن مصادر دبلوماسية مطلعة، أن كريم خان أُقيل رسمياً من مهامه، مشيرة إلى أن هذه المرة هي الأولى التي يُعزل فيها المسؤول الأول عن الادعاء العام بقرار مباشر وصريح من الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي. وتأتي هذه الخطوة لنهو حقبة من الجدل الإداري والقانوني الذي ألقى بظلاله على المؤسسة القضائية الدولية طيلة الأشهر الماضية.
تفاصيل الاتهامات المسندة والموقف القانوني لخان
جاء قرار الإقالة الحاسمة بعد مسار إداري وتأديبي معقد وطويل بشأن اتهامات قدمتها موظفة كانت تعمل ضمن أروقة مكتب الادعاء العام. وتضمنت الشكوى المقدمة مزاعم بسلوك جنسي غير توافقي، واستغلال صريح لفارق السلطة الوظيفية داخل المؤسسة، إلى جانب محاولات للضغط ومنع تقديم شكوى رسمية للجهات الرقابية والمستقلة المعنية بمتابعة مثل هذه الانتهاكات.
في المقابل، يواصل خان، البالغ من العمر 56 عاماً، نفيه القاطع لارتكاب أي مخالفة أخلاقية أو مسلكية، متمسكاً بأن العلاقة التي تناولها التحقيق الخارجي لم تكن غير توافقية على الإطلاق. وأكد فريقه القانوني في أكثر من مناسبة أن إجراءات العزل شابتها عيوب إجرائية واضحة، واصفين القرار بأنه غير عادل ولا يستند إلى أدلة قطعية أو إثباتات مادية كافية تبرر مثل هذه الخطوة الاستثنائية.
وكان خان قد تنحى مؤقتاً عن أداء مهامه الوظيفية في أيار / مايو 2025 مع اقتراب انتهاء لجنة التحقيق الخارجية المستقلة من تقييم الاتهامات، قبل أن تتخذ الهيئة الإدارية للمحكمة قراراً رسمياً بتعليق عمله في حزيران / يونيو 2026، وإحالة ملف بقائه في منصبه نهائياً إلى جمعية الدول الأطراف. وتزامن ذلك مع قرار صادر عن مجلس تنظيم المحامين في بريطانيا أوقفه بموجبه مؤقتاً عن ممارسة المهنة إلى حين استكمال كافة الإجراءات القضائية والمرتبطة بقضيته.
كواليس التصويت السري وغياب خان بسبب العقوبات
انعقدت الجلسة الاستثنائية المغلقة لجمعية الدول الأطراف، التي تضم الدول الموقعة والمصادقة على نظام روما الأساسي، وسط إجراءات أمنية ودبلوماسية مشددة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. وشهدت الجلسة مناقشات مستفيضة قبل التوجه إلى صندوق الاقتراع السري لحسم المستقبل القيادي لمكتب الادعاء العام.
وكانت عدة دول محورية، من بينها هولندا وفرنسا والنرويج، قد أعلنت بصورة علنية قبل أداء الأصوات تأييدها الكامل لإقالة خان، مؤكدة في بيان موقفها أن استمرار الأزمة الحالية يلحق ضرراً بالغاً بمصداقية المحكمة النزيهة، ويؤثر سلباً على ثقة الموظفين والدول الأعضاء والمجتمع الدولي في مؤسسات الجهاز القضائي الدولي.
ولم يتمكن كريم خان من حضور الجلسة المنعقدة في نيويورك أو الدفاع عن نفسه مباشرة أمام الجمعية، وذلك في ظل العقوبات الأميركية القاسية المفروضة عليه. وجاءت تلك العقوبات على خلفية دوره المباشر في قيادة تحقيقات المحكمة المتصلة بالحرب والجرائم في قطاع غزة وملاحقة عدد من مسؤولي الحكومة الإسرائيلية، مما منع منحه قيود الدخول اللازمة للتواجد في الأراضي الأمريكية.
تاريخ المحكمة والمرحلة الانتقالية المرتقبة
يمثل هذا القرار سابقة تاريخية مدوية في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية التي دشنت أعمالها رسمياً في عام 2002؛ إذ لم يسبق لجمعية الدول الأطراف طوال عقود من العمل القضائي أن اتخذت خطوة بعزل المدعي العام المنتخب قبل استكمال مدة ولايته المقررة قانوناً. وكان خان قد تولى مهام منصبه في حزيران / يونيو 2021 بعد انتخابه لولاية واحدة غير قابلة للتجديد مدتها تسع سنوات، وكان من المفترض منطقياً أن تستمر ولايته حتى عام 2030.
ومن المنتظر خلال الأيام القليلة القادمة أن تبدأ جمعية الدول الأطراف في اتخاذ الإجراءات الرسمية لاختيار مدع عام جديد، وهي عملية معقدة قد تستغرق عدة أشهر. وتتضمن الإجراءات فتح باب الترشيح أمام الخبراء الدوليين، وفحص ملفات المرشحين ودراسة سيرهم الذاتية، قبل إجراء الانتخابات النهائية وتصويت الدول الأعضاء للوصول إلى الاسم الأنسب لمباشرة المهمة.
وخلال هذه المرحلة الانتقالية والدقيقة من تاريخ المحكمة، من المتوقع أن تواصل نائبتا المدعي العام إدارة شؤون وعمل مكتب الادعاء العام بالكامل، وإدارة الملفات والقضايا المفتوحة حالياً، وذلك وفقاً للصلاحيات والآليات واللوائح الداخلية المقررة والمتبعة في العمل القضائي للمحكمة.
مصير الملفات القائمة وأوامر الاعتقال الدولية
تؤكد الأطر القانونية المنظمة للمحكمة أن قرار عزل خان لا يؤدي بأي حال من الأحوال وتلقائياً إلى إلغاء أو تجميد التحقيقات أو طلبات وأوامر الاعتقال التي تقدم بها مكتب الادعاء العام خلال فترة ولايته. ويشمل ذلك القضايا الحساسة والملفات الساخنة المتعلقة بكل من فلسطين، وأوكرانيا، والسودان، وليبيا، وأفغانستان، والفلبين.
وتظل جميع أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة سارية المفعول وبكامل قوتها القانونية؛ نظراً لأن إصدار هذه الأوامر أو تعديلها أو إلغاءها يندرج حصرياً ضمن الصلاحيات القضائية المستقلة للقضاة في الدوائر التمهيدية للمحكمة، وليس من اختصاص المدعي العام أو جمعية الدول الأطراف. وعلى الرغم من أن المدعي العام الجديد سيكون بمقدوره مراجعة أولويات المكتب واستراتيجياته التحقيقية، إلا أنه لا يملك السلطة المنفردة لإبطال أو التراجع عن قرارات صادرة عن الدوائر القضائية.
وبناءً على ذلك، تظل أوامر الاعتقال البارزة قائمة ومستمرة، وعلى رأسها الأوامر الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين على خلفية الجرائم المرتكبة في الحرب على قطاع غزة، بالإضافة إلى الأوامر المرتبطة بالنزاع المسلح في أوكرانيا وكافة القضايا الأخرى المنظورة أمام هيئات المحكمة.
جدل حول الخلفيات السياسية والضغط الخارجي
أثار القرار انقساماً واسعاً بين المراقبين والحقوقيين بشأن الخلفيات والدوافع الحقيقية وراء الإقالة؛ إذ يرى الفريق المؤيد لقرار العزل أن هذه الخطوة كانت ضرورة ملحة ولا غنى عنها لحماية نزاهة المحكمة ومصداقيتها الدولية، ولضمان خضوع كبار مسؤوليها للمساءلة والمحاسبة عن أي انتهاكات مسلكية أو أخلاقية محتملة دون استثناء.
على الجانب الآخر، يصر الفريق القانوني لخان والمدافعون عنه على أن الإجراءات اتسمت بتجاوزات وعيوب قانونية، مشيرين إلى أن تصاعد القضية تزامن مع ضغوط سياسية هائلة غير مسبوقة مارستها أطراف دولية نافذة على المحكمة، بسبب التحقيقات الجريئة والملفات الشائكة التي فتحها المكتب بخصوص فلسطين وإسرائيل.
ولم تكشف التحقيقات المعلنة رسمياً عن وجود أي صلة مثبتة بين الاتهامات الجنائية والتأديبية الموجهة ضد خان وبين القرارات الصادرة بطلب أوامر اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين. وعليه، تبقى المزاعم والادعاءات المتعلقة بالدوافع السياسية جزءاً أساسياً من دفوع كريم خان ومواقف أنصاره، دون أن تشكل نتيجة رسمية أو معتمدة في النص النهائي لقرار الدول الأعضاء.
تحديات مستقبليّة في ظل الضغوط الأمريكية
جاء تصويت جمعية الدول الأطراف في وقت عصيب تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية موجة متصاعدة من الضغوط والتهديدات، فضلاً عن العقوبات الأمريكية الشديدة المفروضة على كوادرها بسبب إجراء تحقيقات تطال مسؤولين من الولايات المتحدة وإسرائيل. وتؤكد الإدارة الأمريكية موقفا ثابتاً برفض الاعتراف باختصاص المحكمة، كونها وإسرائيل ليستا طرفين موقعين على نظام روما الأساسي.
في المقابل، تشدد المحكمة الجنائية الدولية ومؤيدوها على أن اختصاصها القضائي في الملف الفلسطيني يمتلك سنداً قانونياً متيناً يستند إلى انضمام دولة فلسطين الرسمية وعضويتها في نظام روما، وقبولها الصريح بالولاية القضائية للمحكمة على أراضيها، مما يمنح الممارسات التحقيقية شرعية كاملة وفق أحكام القانون الدولي.
وكانت الإدارة الأمريكية قد جددت في الفترة الأخيرة هجومها الحاد وانتقاداتها الموجهة للمحكمة، معتبرة أن الملاحقات التي تطال مسؤولين حلفاء تمثل مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية. وأمام هذه التجاذبات الحادة، تشدد المحكمة والدول المتمسكة بوجودها على حتمية صون استقلاليتها القضائية ومنع إخضاع أحكامها للابتزاز أو الضغط السياسي.
وبموجب إقالة كريم خان، تدخل المحكمة الجنائية الدولية مرحلة انتقالية حرج للغاية تتطلب منها التوازن بين اختيار قيادة نزيهة وكفؤة لمكتب الادعاء العام، وضمان استمرارية التحقيقات والدعاوى القضائية المفتوحة، والسعي الحثيث لترميم الثقة الداخلية والدولية بمؤسساتها وسط أعتى أزمة سياسية وقانونية تواجهها منذ إنشائها.
المصدر: روما / نيويورك - وكالات
تاريخ النشر: 24 تموز / يوليو 2026