الحجارة الناطقة بالشرق: تفكيك "الرومنة" وإعادة الاعتبار للمهندس الكنعاني الشامي
تفكيك سردية الآثار الرومانية في بلاد الشام وإثبات الجذور الكنعانية والمشرقية للعمارة والعبقرية الهندسية المحلية.
بقلم:د. علاء أبوعامر
يتأمل المرء الواقف أمام مدرج بصرى الشام، أو تأخذه الدهشة بين أعمدة بعلبك، أو يتلمس الحجر الرملي العتيق في أسوار عسقلان وعكا، فيتبادر إلى ذهنه فوراً ذلك الختم التاريخي الجاهز: "آثار رومانية". غير أن هذا الختم الجاهز يحمل في طياته إجحافاً معرفياً كبيراً؛ إذ يخلط بين "المظلة السياسية" التي أدارت الإمبراطورية، وبين "الهوية الحضارية والعقل الهندسي" الذي خطط ونفذ وصنع هذا الجمال على أرض الواقع. إن هذه الشواهد العمرانية الباذخة التي تمتلأ بها بلاد الشام وحواضر فلسطين، ليست بضاعة مستوردة من روما، بل هي عمارة كنعانية مشرقية أصيلة، ارتدت عباءة العصر الإمبراطوري ووظيفته الترفيهية، لكن جيناتها الهندسية وروحها الفنية ظلت شرقية خالصة تضرب جذورها في عمق التاريخ.
لقد درجت السرديات التاريخية التقليدية على نسبة كل مدرج دائم أو قوس شاهق في الشرق إلى العبقرية الرومانية، متناسية أن الإمبراطورية الرومانية لم تشحن ملايين العمال والمهندسين من قلب إيطاليا لتشييد مدن الشرق. إن من قطع الحجر، وحفر الآبار، ورص الأعمدة، ونحت التيجان هم أهل البلاد الأصليون، الذين تطوروا من أرومة كنعانية وآرامية و عربية نبطية متوارثة. بل إن الإمبراطورية الرومانية في أوج قوتها، لم تجد من يدير عجلتها الهندسية في قلب عاصمتها روما سوى عبقرية شامية فذة متمثلة في المهندس "أبولودور الدمشقي"، الذي غادر دمشق مشبعاً بعلوم العمارة المشرقية ليصمم للإمبراطور تراجان أعظم فورم وقاعة في روما (العتيبي، ٢٠١٨). هذا الارتحال المعرفي يثبت أن التدفق الهندسي كان يتحرك في كثير من الأحيان من الشرق إلى الغرب، وليس العكس.
ولعل المقارنة الأثرية البسيطة بين عمائر أوروبا وعمائر الشام تكشف عمق التمايز المحلي؛ فالرومان في إيطاليا اعتمدوا بشكل مكثف على الطوب الخرساني الصغير المغطى بالرخام، بينما استمر المهندس الشامي في استخدام تقنية الحجارة الضخمة العملاقة (Megalithic Architecture)، وهي تقنية كنعانية فينيقية موغلة في القدم تجلت أبهر تجلياتها في حجارة "التريليثون" بمعابد بعلبك التي تزن الواحدة منها مئات الأطنان (الحوراني، ٢٠١٥). هذا الأسلوب المعماري الجبار يعكس مدرسة محلية تتباهى بقدرتها على تطويع الصخر، وهي مدرسة لم تكن روما تعرفها قبل احتكاكها بحواضر شرق المتوسط وقرطاج الفينيقية.
وإذا أردنا تتبع الأثر المشرقي في عمق الجزر الأوروبية نفسها، فلا بد من العودة إلى شهادة المؤرخ اليوناني هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، أي قبل صعود روما الإمبراطورية بقرون. يذكر هيرودوت بوضوح قاطع أن معبد الإلهة "عشتروت" في عسقلان الكنعانية كان هو المركز الأم والأقدم في العالم، وأن المعبد الفينيقي الشهير في جزيرة قبرص قد أُقيم تقليداً ومحاكاة لمعبد عسقلان باعتراف القبارصة أنفسهم (هيرودوت، ترجمة الصفدي، ٢٠١١). هذه الشهادة توثق كيف أن مدارس العمارة في حواضر فلسطين مثل عسقلان وعكا وغزة كانت تصدّر تكنولوجيتها الهندسية، ومخططاتها المعمارية الثلاثية، وتقنيات نحت التيجان الحجرية (البروتو-إيونية) إلى اليونان وقبرص، لتصبح لاحقاً حجر الأساس الذي قامت عليه العمارة الكلاسيكية في الغرب.
وفي حواضر فلسطين الساحلية والداخلية، تتبدى هذه العبقرية المتوارثة في تفاصيل دقيقة؛ ففي عسقلان اكتشف الأثريون أقدم قوس حجر طيني في العالم يعود للعصر الكنعاني، مما يثبت أن تقنية "العقد" أو القوس التي نُسبت زيفاً للرومان، كان الكنعانيون يبنون بها مدنهم قبل تأسيس روما نفسها بألف عام (الناشف، ٢٠٢٠). وفي بيسان وعكا، طوع البناؤون المحليون صخور البازلت السوداء والحجر الرملي الساحلي (الكركار) لبناء التحصينات والموانئ والمدرجات، ملقحين التصاميم الوظيفية الرومانية بروح شرقية تميزت بالتباين اللوني والزخارف النباتية والهندسية المستوحاة من البيئة المحلية.
في الختام، إن تسمية هذه الآثار بـ "الرومانية" لا تتعدى كونها توصيفاً لـ "التمويل والوظيفة السياسية" في حقبة تاريخية معينة، تماماً كما نسمي اليوم ناطحات السحاب في العالم "عمارة حديثة أو دولية". لكن الحقيقة الأثرية القابعة تحت غبار السنين تقول إن تلك المدرجات والقلاع والمسارح في بلاد الشام هي شواهد كنعانية مشرقية بامتياز؛ صممتها عقول شامية، ونفذتها سواعد فلسطينية وفينيقية، وحفظت فيها الأرض هويتها الأصلية مهما تعاقب عليها الأباطرة والغزاة.