بخور الطير وقدور البادية: تفكيك العظمة القبلية في قصة سليمان وسبأ القرآنية

قراءة عقلية وتاريخية لقصة سليمان وسبأ في القرآن الكريم بعيداً عن الأساطير والمرويات الدخيلة وبمنطق اللسان العربي المبين.

بخور الطير وقدور البادية: تفكيك العظمة القبلية في قصة سليمان وسبأ القرآنية
بخور الطير وقدور البادية: تفكيك العظمة القبلية في قصة سليمان وسبأ القرآنية

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في عتمة التاريخ القديم، حُجبت المعاني الأصيلة لبعض الألفاظ، فتسللت مرويات أجنبية ودخيلة إلى تفسير المأثور، وصنعت من قصص الأنبياء ملاحم تعج بالذهب الأسطوري العجائبي والقصور التي تناطح السحاب. ولفترة طويلة، ظلت هذه الصور الذهنية المتضخمة هي النظارة التقليدية، فأسقطت الخيالات على لغة التنزيل، وحولت اللقاءات التاريخية المحلية إلى ظواهر خارقة. غير أن التدبر العقلاني البصير لآيات سورتي النمل وسبأ، عند تجريده من الرواسب الدخيلة ومزاوجته بمنطق اللسان العربي المبين، يكشف عن مشهد مختلف تماماً؛ مشهد يعيد الأحداث إلى حجمها البشري والقبلي الطبيعي، حيث تتجلى العظمة في بيئتها البدوية المحلية، لا في قصور الخيال المتخيل.

تبدأ الرحلة بتفكيك مفهوم الجيش والسفر في سورة النمل. فعندما يقول الحق سبحانه: "وحُشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير"، تذهب العقول المتأثرة بالموروث الشعبي إلى كائنات نارية مجنحة وعوالم غيبية محضة. لكن بالعودة إلى دلالات اللسان، يوضح اللغوي ابن فارس في كتابه مقاييس اللغة أن الجذر "جَنَّ" يدور حول الاستتار والاختفاء عن الأعين؛ ومن ثم كان العرب يطلقون لفظ "الجن" على الأجانب الغرباء، والبدو الرحل الصعاليك الذين يستترون في فيافي الصحراء وكهوفها ولا يعرفهم أهل الحضر.

هذا التأصيل اللغوي الصارم لـ "الجن" يجد برهانه القاطع والشارح من قلب النص القرآني ذاته؛ ففي سورة الأنعام، يقول الحق سبحانه عن إبراهيم عليه السلام: "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا". إن عبارة "جَنَّ عليه الليل" تعني في لغة العرب أنه ستره وأخفاه بظلامه، فالليل يسمى "جاناً" لأنه يستر الأشياء بظلمته، والطفل في بطن أمه يسمى "جنيناً" لأنه مستتر داخل الرحم، والحديقة الكثيفة بالأشجار تسمى "جنة" لأن ظلالها تستر الأرض. بناءً على هذا المنطق الصرف، يتفكك اللبس تماماً؛ فحشر "الجن والإنس" لسليمان لا يعبر عن عوالم سحرية، بل هو حشد عسكري لرجاله المعلومين من أهل مستوطنته وقريته (الإنس من الاستئناس والرؤية)، مع القبائل البدوية الرحل والأجانب الصعاليك الغرباء (الجن) المستترين خلف تلال بادية النقب وتيمان، والذين لا يراهم أهل الحضر إلا وقت الحرب والحشد.

ومن قلب هذا الحشد العسكري من البدو والأجانب المستترين، يبرز تعبير قرآني آخر لطالما نُسجت حوله الخرافات، وهو عبارة: "قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ". فكلمة "عفريت" في فقه اللغة العربية لا تعني كائناً ما ورائياً مشوهاً، بل تعني الدّاهية، والمخاتل، والشديد صاحب الحيلة والمكر في تدبير الحروب؛ إذ يقول ابن منظور في لسان العرب إن رجل عِفْريت هو الذي يملك ذكاءً حاداً وصلابة وبأساً. وبناءً على هذا التحليل اللغوي الصرف، فإن العفريت من الجن لم يكن سوى رجل داهية، ذكي، ومخاتل، وقائدٍ محنك من بين تلك القبائل البدوية الغريبة الموالية لجيش سليمان. وعندما تبارى الرجال لإحضار عرش الملكة (مجلسها أو هودجها الخشبي)، تبرع هذا القائد البدوي الداهية مستعرضاً خفته وسرعته وخبرته بمسالك الصحراء وطرق النقب وتيمان، مؤكداً أنه قادر على قطعه بقوة بدنية وخيول سريعة قبل انقضاء مجلس سليمان اليومي للشورى: "وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ".

لكن ذروة المفاجأة العقلانية والعلمية تتجلى في رد الطرف الآخر حين يقول التنزيل: "قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ". فالتفاسير التقليدية صاغت هنا سحراً طائراً، لكن التدبر الواعي يقودنا إلى أن "الكتاب" في تلك العصور القبليّة كان يمثل الدواوين، والخرائط الجغرافية، وحساب المسافات، والاتفاقيات والمكوس التجارية. هذا "الذي عنده علم من الكتاب" لم يكن سوى المستشار العلمي والمنسق الجغرافي والدبلوماسي الذكي في مشيخة سليمان. لقد انتصر هذا العالِم بعلم الخرائط والاتفاقيات السياسية المسبقة مع الجاليات والقبائل السبئية المستوطنة أصلاً في تخوم النقب وفلسطين قبل تهدم سد مأرب بقرون. وحين تبارى العفريت مستعرضاً عضلاته البدنية، قال العالِم الخبير: لا حاجة لإرسال الخيول لقطع البوادي، فالعرش متاح وقريب بفعل التدبير الإداري المسبق والصلح السياسي، وسيكون مستقراً أمامك "قبل أن يرتد إليك طرفك"؛ وهي استعارة بليغة في لسان العرب للدلالة على المفاجأة والسرعة القصوى الخاطفة التي تذهل العين والالتفاتة (كما يقال في غمضة عين). إنه انتصار المعرفة والعلم والدبلوماسية على القوة البدنية الخشنة في بيئة البادية والواحات.

أما الطير، وتحديداً الهدهد، فإن وجوده في سياق تفقّد الجيش يعكس حاجة بدوية صرفة؛ فالجيش كان يقطع قفاراً قاحلة، والهدهد في العرف الرعوي وبحسب ما يذكره الجاحظ في كتابه الحيوان، هو طائر يملك غريزة فريدة في استشعار الرطوبة والمياه الجوفية تحت الأرض، وكان البدو يستعينون به كدليل يبحث عن منابع الماء لإرواء العطشى. ولذلك حين غاب، هدد سليمان بعقابه. وهنا يبرز تساؤل منطقي حول "كلام الهدهد" مع سليمان؛ فالمنطق العقلي والقرآني لا ينفي هذا التواصل، بل يضعه في إطار فتح علمي وبصيرة فائقة في فهم لغة الطبيعة، بعيداً عن الخيال الأسطوري.

فالقرآن دقيق جداً في ألفاظه؛ إذ لم يقل "سحرنا" أو "خرقنا الطبيعة"، بل قال على لسان سليمان: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ". وكلمة "عُلِّمْنَا" تعني وجود علم ومنهج وفك للشفرات الحيوية، وكلمة "منطق" تعني النظام اللغوي الصوتي والرمزي للطائر. فالأمر لا يعود لأحبال صوتية بشرية يملكها الهدهد لينطق بلسان العرب الفصيح، بل إلى قدرة علمية وهبها الله لسليمان لترجمة وفك الشفرات الصوتية والحركية والبيولوجية التي تتواصل بها الطيور والحيوانات (وهو ذات المنطق العلمي الذي يحاول علماء الأحياء والذكاء الاصطناعي اليوم تطبيقه لفهم لغات الدلافين والحيتان والطيور). فعندما عاد الهدهد من رحلته واستشعر وجود مجتمع بشري في واحات سبأ الشمالية، عاد ليطلق أصواتاً وحركات اهتزازية معينة تعبر عن فطرته وغريزته الاستكشافية الحادة التي تميز التجمعات البشرية وتلاحظ المظاهر البصرية كالسجود للشمس، فاستقبل سليمان هذه الإشارات الحركية والصوتية وفك شفرتها المعلوماتية في عقله بما يفيد: "أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين". فالتواصل هنا هو قمة العبقرية العلمية لشيخ قبيلة استغل الطيور كـ "عين استخباراتية" ووسيلة حيوية لتأمين بقاء رجاله في قفار النقب وتيمان، ممتداً في جغرافية متصلة وممكنة حيوياً، تنتشر فيها الجاليات والقبائل ذات الأصول السبئية كمعين ولخم وجذام وعاملة وغسان قبل تهدم سد مأرب بقرون.

وعندما نأتي إلى مظاهر عظمة مملكته التي ذُكرت في سورة سبأ: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات"، فإننا أمام مشهد يُصنف في علم الأنثروبولوجيا التاريخية بـ "الكرم والسؤدد البدوي المفرط". فالمحاريب في لغة العرب هي الغرف العلوية وحصون المراقبة الطينية البسيطة التي تحمي الماشية والمحاصيل، والتماثيل كانت منحوتات حجرية بدائية شائعة في واحات ددان وتيماء. أما الجفان التي كالجواب (أي القصاع الضخمة التي تشبه حياض الماء الكبيرة)، والقدور الراسيات الثابتة من ضخامتها، فهي قمة ما يتمناه شيخ قبيلة عظيم لإطعام عشيرته وعابري السبيل في البادية. بالمنطق والعقل: هل حاكم يسخر الكون كله تكون قمة إنجازه العمراني وعلامة ملكه الجبار أنه يملك أواني طبخ ضخمة لإطعام رجاله؟ هذا هو الفخر الرعوي بامتياز، وهو يتطابق مع لغة القرى المعزولة في تلك الحقبة.

وعلى الجانب الآخر من اللقاء, تظهر امرأة سبأ في سورة النمل لتقول بلسانها البليغ: "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة". انتبه لوعيها الجغرافي البشري؛ إنها تخشى على "قريتها"، والقرية في معجم مقاييس اللغة هي مجتمع الماء والناس الصغير، مما يعود بنا إلى واحات تيمان وتيماء والنقب حيث كانت تدير هذه العشائر السبئية الشمالية قوافل البخور. أما حديثها عن رجالها: "نحن أولو قوة وأولو بأس شديد"، فهو الفخر القبلي المعتاد بحماية الحمى وقوة الشكيمة، وليس دليلاً على جيوش عسكرية جرارة لإمبراطورية عظمى. وعرشها العظيم الذي بُهر به، لم يكن سوى السقيفة الخشبية الكبيرة أو مجلس المشيخة المرتفع المقبب الذي يميز بيت الرئاسة في الواحة عن خيام الشعر المحيطة به، إذ إن العرش في لغة القرآن يدور حول السقف والبناء المرتفع كما في قوله تعالى: "وهي خاوية على عروشها".

إنها لم تكن ملكة بالمعنى الإمبراطوري المعاصر، بل كانت "شيخة قبيلة" أو رئيسة جالية تجارية وعشائرية تنتمي لإحدى تلك المجموعات السبئية المستقرة في تيمان أو بادية النقب. ففي لغة القرآن، يطلق لفظ "الملك" مجازاً على شيوخ القبائل وحكام الواحات والبلدات الصغيرة المستقلة. وفي تلك البوادي الشمالية وتخوم الشام، كان التقليد السياسي والاجتماعي يمنح النساء حق قيادة القبائل وحماية الواحات ووراثة العروش المشيخية، وهو ما يفسر استخدام القرآن للفظ "قرية" لوصف موطنها، ولفظ "عرش" لوصف سقف مجلسها المرتفع. ومن رحم هذه البيئة الثقافية الشمالية الممتزجة بالاستيطان القبلي الباكر، ولد اسم "بلقيس" عبر النحت اللغوي من دمج لفظ "بعلة قيس" أي سيدة قيس، وهو اسم وثيق الصلة بقبائل وبوادي الشمال لا الجنوب.

إن الحدث التاريخي البسيط يتلخص في لقاء محلي عادي بين "شيخ تلال القدس" (سليمان) و"شيخة قوافل سبئية" نزلت من واحات تيمان والنقب لترتيب أمور تجارية، أو دفع مكوس ممر، أو مقايضة الأطياب بالمحاصيل الجبلية. هذا اللقاء العادي جداً دخل في الذاكرة الشفوية الشعبية لسكان الجبال المعزولين. وبمرور مئات السنين، وبفعل تأثير الروايات الدخيلة، نُفخت الروح الأسطورية في هذه الذاكرة، فتحول شيخ التلال البدوية المعزول في خيال القصاصين إلى إمبراطور يملك قوى سحرية ما ورائية، وتحولت شيخة القوافل والقبائل السبئية في النقب إلى مَلِكة تقطع الفيافي محملة بأطنان من الذهب الافتراضي.

استنتاجات تاريخية وعقلية

1. يتطابق الوصف القرآني عند تدبره لغوياً وعقلياً مع الحقيقة التاريخية، مبرئاً النص الديني من التضخيم الخرافي الذي ألحقته به المرويات الدخيلة وشروح المفسرين المتأخرة.

2. استخدام القرآن للفظ "جَنَّ عليه الليل" في قصة إبراهيم يمثل المفتاح اللغوي الحاسم لتفسير كلمة "الجن" في قصة سليمان، مؤكداً أنهم القبائل البدوية والأجنبية المستترة في الصحراء الذين حشدهم شيخ تلال القدس للقيام بالأعمال الشاقة كالطبخ وحفر الخنادق وحراسة المحاريب.

3. لفظ "عفريت" في اللسان العربي المبين لا يصف مخلوقاً غيبياً بقرون، بل يصف سمة نفسية وبشرية هي الدهاء والمكر والصلابة، مما يدل على أن العفريت من الجن هو قائد بدوي داهية ومخاتل من رجال قوافل الصحراء، تبارى في سرعة نقل الهودج والعرش الخشبي مستعيناً بخبرته المسلكية في البادية.

4. تواصل سليمان مع الهدهد منسجم تماماً مع المنطق العلمي والقرآني القائم على التعلم وفك الشفرات الحيوانية الحركية والصوتية "عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ" وليس السحر الخارق، مما مكنه من استخدام الطائر كعين معلوماتية حادة الاستشعار لتأمين قوافل البادية ومعرفة مواردها.

5. عبارة "قبل أن يرتد إليك طرفك" وعلاقتها بـ "الذي عنده علم من الكتاب" تمثل الانتصار المعرفي والإداري والدبلوماسي؛ حيث نجح المستشار الجغرافي بعلم السجلات والخرائط والصلح السياسي في إتاحة العرش مستقراً بفعل الاتفاقات المسبقة مع العشائر السبئية القريبة في النقب، متفوقاً على القوة الخشنة للعفريت.

6. اللقاء التاريخي الذي صوره القرآن لم يكن صداماً بين إمبراطوريتين كونيتين، بل كان تفاعلاً دبلوماسياً وتجارياً محلياً بين شيخ مشيخة جبلية بدوية في تلال القدس (سليمان)، وشيخة قبيلة أو رئيسة جالية سبئية شمالية تدير واحات تيمان وتيماء في النقب، لترتيب أمور المعايش والمكوس والتجارة.

إن قراءة تاريخ الأنبياء في القرآن بعين العقل ومنطق اللغة لا ينقص من قدرهم، بل يرفع عن النصوص قدسية الأساطير الدخيلة ويعيدها إلى أرض الواقع البشري الحقيقي الذي يعزز مصداقية النص وجديته. لقد كان سليمان نبيّاً مَلِكاً بمقاييس وقته وبشرية مكانه، عظمته في حكمته وعدله وسؤدده بين عشيرته وقبائل بادية النقب وتيمان، وفي حنكة مستشاريه وعلمهم بكتاب الخرائط والعهود، وفي مكر ودهشة رجاله كالعفريت البدوي، وبصيرته العلمية في فك شفرات الطبيعة ومنطق طيورها، لا في قصور من ذهب لم تجد لها الأرض أثراً. وبذلك يظل القرآن العظيم كتاب هداية وتدبر، يصف الواقع القبلي العربي بلغته الحية الاستعارية الفصيحة، محاكياً حقائق الصخور والرمال التي خطتها قوافل لخم وجذام ومعين على صخور تيمان وتيماء في الشمال الغربي للجزيرة العربية وفلسطين.