جدارية الأرجوان والرماد: العروبة الكامنة في جغرافيا الشرق القديم

جدارية الأرجوان والرماد.. قراءة تاريخية موثقة تكشف الجذور العبرية والكنعانية والعروبة الممتدة في جغرافيا الشرق القديم قبل الإسلام.

جدارية الأرجوان والرماد: العروبة الكامنة في جغرافيا الشرق القديم
جدارية الأرجوان والرماد: العروبة الكامنة في جغرافيا الشرق القديم

بقلم:د. علاء أبوعامر 

لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد تضاريس تفصل بين الأوطان، بل كانت سيرة طينٍ يتدفق، وهجراتِ بشرٍ يحملون معهم أسرارهم وأسماء مدنهم كما يحملون تمائمهم. وفي قلب التاريخ العربي، ثمة مقولة شائعة، رددتها الألسن حتى كادت تصبح يقيناً، تقول: "نحن لسنا عرباً، ولكن عرّبنا الإسلام". غير أن هذا القول، حين يُعرض على محكّ الآثار واللغويات ونقوش الحجر، يبدو رداءً ضيقاً لا يتسع لجسد الحقيقة الضخم. فالعروبة في الشام ومصر والعراق وضفاف المغرب الكبير، لم تكن طارئاً تاريخياً حملته السنابك، بل هي نسغٌ ضارب في عتمة الزمن، وجذورٌ عروبية كنعانية تلتقي وتتقاطع قبل أن تنبثق الدعوة الإسلامية بآلاف السنين.

لو فتحنا سفر المشرق العربي في العصر الفارسي الأخميني الأول، لوجدنا أن السيادة لم تكن مجرد قبائل معزولة، بل تجسدت في "ولاية عرباية" التي أقامتها مملكة قيدار العربية الممتدة. لقد بسطت هذه القوة الجيوسياسية نفوذها على مساحات شاسعة تشمل الشام والعراق وشرق مصر وجنوب فلسطين وصولاً إلى شرق نهر الأردن. ولم تكن تلك الصحارى والوديان بلقعاً، بل عجّت بممالك وحواضر عريقة كمملكة الحضر المحصنة في الجزيرة الفراتية، وحرّان في الشمال، والتي عُرفت تاريخياً في النصوص القديمة باسم "بيت عرباية"، وحمل حكامها بفخر لقب "ملوك العرب".

وفي عمق هذه الجغرافيا المتصلة، كان المشهد الثقافي والقبلي في الشام والعراق يشكل حزاماً حضارياً لا ينفصم. فمن جهة، استقر الإدوميون في جنوب فلسطين (الخليل والنقب مع بعض الأردن الحالي) بأدبهم وإرثهم اللغوي المتماثل، بينما تمدد اليطوريون العرب في البقاع اللبناني وشمال فلسطين ليؤسسوا إماراتهم المزدهرة التي وثقها المؤرخون الإغريق. وفي حمص السورية، برزت عائلة "آل شمس الغرام" (الشمسية) كقوة حاكمة صاغت المشهد السياسي قبل الميلاد بقرون. والمثير للدهشة أن الجغرافيا الشمالية التي يُطلق عليها اليوم كردستان العراق وشمال سوريا، كانت قبل الإسلام الموطن التاريخي الصريح والأصيل لديار بكر، وديار ربيعة، وقبائل بكر بن وائل، مما يثبت أن الحضور العربي كان يطوق دجلة والفرات من منابعهما الشمالية.

وإذا يممنا وجوهنا شطر مصر، نجد أن التداخل بين الرمال والوادي قديمٌ قدم الفراعنة، حيث كانت سيناء والصحراء الشرقية امتداداً حيوياً لتلك القبائل العربية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يطلق المؤرخ اليوناني هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد اسم "بلاد العرب" على المنطقة الواقعة شرق الدلتا. حتى الإسكندرية، تلك الحاضرة الهيلينية، كانت قبل مجيء الإسكندر قرية وادعة تُدعى "راقودة"، وهو اسم كنعاني يشي بمرقد السفن ومينائها، ليربط بحر مصر ببحر الشام برباط اللسان والمصلحة.

أما المعجزة الكبرى، فترقد هناك، على سواحل المغرب العربي، حيث أقام الكنعانيون الفينيقيون إمبراطوريتهم البحرية قرطاج. أولئك البحارة الذين انطلقوا من صور وصيدا، لم يحملوا في سفنهم الأرجوان والزجاج فحسب، بل نقلوا معهم روحاً لغوية تكاد تطابق العربية في أدق تفاصيلها. حين يقرأ عالم الآثار اليوم نقوش "البونية" في تونس أو الجزائر، لا يحتاج إلى فك طلاسم غريبة؛ إنه يرى الجذور الثلاثية، والضمائر، وأسماء الإشارة، وتاء التأنيث تتجلى أمامه كأنها مسودة قديمة للغة الفصحى. "شمع قلا باركا" يقولها النقش القرطاجي القديم، وترددها الروح العربية مباشرة: "سمع قوله وباركه".

ولم يقف الأمر عند حدود الكلمات، بل تعداه إلى أسماء الأماكن التي نُقلت تبركاً وحنيناً. فمدينة سوسة التونسية، بجمالها البحري، أسمتها النصوص الرومانية القديمة "حدروميت"، وهو التعريب المباشر لاسم "حضرموت" اليمني، نقله المهاجرون الأوائل ليظل الوطن القديم حياً في المأوى الجديد. ومدينة "[مليلة] " المغربية ما هي في أصلها الفينيقي إلا "روسادير"، أي "الرأس العظيم"، حيث "روس" هي ذاتها "رأس" العربية بجغرافيتها وشموخها. هذا التماثل اللغوي والاسمي يمتد ليتقاطع مع اسم "مجان"، الأرض العُمانية القديمة لصناعة السفن، ليعكس وجود قاموس بحري وتجاري موحد ربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر شبكة عولمة أولى في التاريخ الإنساني.

إن هذا التلاحم الممتد من الرافدين إلى الأطلسي يثبت أن الإسلام عندما أشرق في هذه البلاد، لم يجد أرضاً بلقعاً من الهوية، بل وجد بنية لغوية وثقافية مهيأة تماماً لتبني خطابه والاندماج في حضارته. لقد كانت العربية الثقافية هي الأصل الحاضن، وكان الإسلام هو المحرك والجامع والوعاء الأصيل لها.