النبض المكتوم في حواضر رَبَّة: قراءة في عروبة بني عمون وخطّهم الآرامي المستقل

النبض المكتوم في حواضر ربة عمون.. قراءة تاريخية وأثرية موثقة تكشف الجذور العروبية لبني عمون وتطور خطهم الآرامي المستقل وتأثيره.

النبض المكتوم في حواضر رَبَّة: قراءة في عروبة بني عمون وخطّهم الآرامي المستقل
النبض المكتوم في حواضر رَبَّة: قراءة في عروبة بني عمون وخطّهم الآرامي المستقل

بقلم: د. علاء أبوعامر 

شغل الكيان التاريخي الذي عُرف في أسفار العهد القديم باسم بني عمون (Ammonites) جغرافيا سياسية وعسكرية معقدة في وسط وشمال الأردن (وعاصمتهم التاريخية رَبَّة عمون أو عمان الحالية)، وصُوّر في السرديات اللاهوتية الكلاسيكية كشعب كنعاني منعزل يقع على طرف نقيض مع المحيط الرعوي والبدوي (Finkelstein and Silberman, 2001). غير أن تراكم المكتشفات الأركيولوجية وفك شفرات النقوش الشخصية في العقود الأخيرة فجّرا صدمة علمية أعادت تشكيل خريطة اللسانيات والأنثروبولوجيا في المنطقة؛ إذ كشفت الأرض أن بني عمون كانوا في أصولهم الديمغرافية وبنيتهم اللغوية امتداداً وثيقاً لعرب الشمال، وأنهم طوّروا خطاً وطنياً مستقلاً ذا طبيعة آرامية منبسطة مهدت لولادة الخطوط العربية اللاحقة (Al-Jallad, 2022).

تبدأ هذه العروبة الصارمة من عتبة أسماء الأعلام العمونية الموثقة على مئات الأختام والنقوش الطينية والحجرية المكتشفة في رجم الملفوف والقلعة والوديان المحيطة بـ "ربّة عمّون"؛ حيث أثبت علم الأونوماد (Onomastics) المقارن أن الأغلبية الساحقة من الأسماء العمونية تنحدر من جذور وصيغ بدوية مطابقة تماماً لقواميس لغات ثمود والصفائيين وغيرهم من عرب الشمال (Al-Jallad, 2015). فأسماء ملوكهم وأفرادهم مثل: (برك، عزر، شبع، نعم، طوب، بعليس) لا تتبع البنى الاشتقاقية الكنعانية الصارمة، بل تُعيد إنتاج الأنماط الصرفية والوصفية الأخلاقية والبيئية للسان البادية المشترك، وهو ما يعلق عليه المؤرخ ماريو ليفيراني (Mario Liverani) بالتأكيد على أن الهيكل السكاني لعمون تشكّل من موجات استيطان وتمدن لـ "الرعاة البدو" الذين عبروا من وادي السرحان ليتخذوا من هضاب عمان مستقراً ومملكة (Liverani, 2005).

ويتجلى التميز اللساني والسياسي لبني عمون في تطور خطهم الكتابي القومي المستقل، إذ اختار كتبة بني عمون في القرن التاسع قبل الميلاد خطاً مشتقاً من الخط الآرامي القديم، وقاموا بتطويره محلياً ليصبح "الخط العموني الوطني المتميز" (Ammonite National Script) كما ظهر بوضوح في نقش قلعة عمّان وقارورة تل سيران البرونزية (Thompson, 1999). هذا الخط لم يكن كنعانياً، بل تميز بالليونة، والانحناء، والامتداد الأفقي، وهي الميزة الخطية ذاتها والوعاء المورفولوجي الذي مهّد تاريخياً وولّد لاحقاً معالم الخط النبطي العربي، ومن ثم الخط العربي الحديث (Al-Jallad, 2022). ومن الناحية النحوية، كشفت قارورة تل سيران مرونة لغوية في استخدام حركات المد الطويلة وسقوط الحلقيات التي تماثل بنية لسان عرب الشمال والآراميات القديمة، مفارقةً فصحى أورشليم المتأخرة (Knauf, 1988).

وتتطابق هذه الاستقلالية الخطية واللسانية مع الجغرافيا الدفاعية ونمط الحياة الرعوي للعمونيين؛ إذ كشفت المسوح الأثرية عن شبكة واسعة من الأبراج الحجرية الدائرية والمربعة العظيمة (مثل رجم الملفوف) المنتشرة حول العاصمة. ورغم المحاولات التقليدية لتفسيرها كحصون عسكرية ضد غزوات بني إسرائيل، أثبتت الحفريات المعاصرة أنها كانت محطات رصد وإدارة إستراتيجية لـ طرق القوافل التجارية ومراقبة وتأمين حركة البدو الرعاة القادمين من عمق الجزيرة العربية (Liverani, 2005). لقد كان بنو عمون بمثابة الجسر الحضاري الذي يربط بين حواضر الشام المستقرة وقوافل البخور النبطية والقيدارية، وصعق معبودهم القومي "ملكوم" أو "ملك" هذا التداخل؛ إذ لم تكن عبادتهم قائمة على لاهوت انعزالي، بل كانت منفتحة على المجمع الإلهي لعرب الشمال، يقدسون المنعة والسيادة القبلية والأبوية كبصمة سامية جنوبية (Knauf, 1988).

إن الأمانة العلمية والإنصاف التاريخي يقتضيان حتماً نزع الصبغة الكنعانية أو التوراتية المصطنعة عن بني عمون ونسبة الشيء لأهله؛ فالفروق اللغوية بينهم وبين جيرانهم لم تكن سوى تنوعات لهجية مرنة داخل "المتصل اللهجي العروبي "السامي" الواحد" (Davies, 1992). لقد أنصفت الآثار والنقوش لسان رَبَّة عمّون؛ وأثبتت أن هذا الكيان كان في حقيقته واحة حضارية متمدنة لعرب الشمال الأقحاح، صاغوا أمنهم بأبراج البادية، ودوّنوا تاريخهم بخط آرامي لين حمل في أحشائه البذور الأولى للأبجدية العربية، قبل أن يطمس كهنة التاريخ المتأخر عروبتهم ويسجلوهم في دفاتر النسيان كأغراب في ديارهم.