انكسار المرآة وجدار الغرور: كيف تبخرت الأحلام الكبرى إقليمياً وتحققت نبوءة الميدان؟
قراءة نقدية في تحولات الصراع الإقليمي وانعكاساتها على مستقبل الكيان الصهيونى بعد سقوط أوهام التطبيع المجاني.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تأتي القراءة النقدية الصادمة التي قدمها الجنرال الصهيوني المتقاعد يسرائيل زيف في مقالته وتحليلاته الأخيرة لتهز أركان الوهم الذي عاشت فيه القيادة الصهيونية داخل فلسطين المحتلة لسنوات؛ حيث فكك زيف في أطروحته جدار هذا الغرور بنبرة تحذيرية، معلناً في جوهرها أن القطار الاستراتيجي قد غادر المحطة بالفعل، وترك إسرائيل خلفه معزولة في محطتها القديمة بسبب حسابات نتنياهو السياسية الضيقة، بعد أن كانت الصورة الرسمية المتخيلة تبدو مثالية عبر حلف إقليمي جامع وتطبيع شامل يتجاوز الجغرافيا والديموغرافيا دون دفع أي ثمن سياسي للفلسطينيين.
وفي قلب التحليل، يبرز التغير الجوهري في الموقف السعودي. فالرياض، التي كان يُنظر إليها في تل أبيب كجائزة كبرى يسهل قطفها، اختارت مساراً مغايراً تماماً بحسابات دولة كبرى. لم تعد المملكة تنتظر الرضا الإسرائيلي أو الضوء الأخضر من حكومة نتنياهو لترتيب مصالحها العليا. لقد تقدمت الرياض بثبات نحو اتفاق أمني ونووي ثنائي مع الولايات المتحدة الأمريكية، منزوعةً منه تلك العقدة التي طالما حاول نتنياهو توظيفها لصالحه. تبخرت أوهام التطبيع المجاني، بعدما تيقن الجميع أن التعنت الأعمى لهذه الحكومة، ومحاولات الهروب المستمرة من دفع استحقاق الدولة الفلسطينية، جعلا من الكيان عبئاً استراتيجياً حتى على أقرب حلفائه.
وعلى الضفة الأخرى من هذا التحول، يلوح في الأفق انتصار غير مباشر، لكنه حاد ومؤثر، لمهندس هجوم السابع من أكتوبر، يحيى السنوار. لم يكن الانتصار هنا عسكرياً بالمفهوم التقليدي لموازين القوة الغاشمة، بل كان انتصاراً بالنقاط الاستراتيجية وتحقيقاً لنبوءة سياسية أدارت دفتها الأقدار والوقائع. لقد نجح السنوار في إعادة تموضع القضية الفلسطينية كشرط إلزامي لا يمكن القفز فوقه لأي استقرار إقليمي، وحطّم سردية "السلام مقابل السلام" التي تغنى بها نتنياهو لسنوات. وفي حين كان الكيان يظن أنه يمحو غزة من الخارطة، كانت غزة تمحو شرعية الحرب الصهيونية دولياً وتكشف وهن القوة السياسية لتل أبيب، ليجد نتنياهو وحكومته أنفسهم أمام جدار مسدود: حرب بلا نهاية، وتحالفات تتبخر، وعزلة دولية تترسخ يوماً بعد يوم.
إن جوهر المشهد اليوم يتلخص في حقيقة قاسية تجرعتها النخبة العسكرية والسياسية الصهيونية مهما حاولت أن تظهر ما يخالفها؛ فالقوة المفرطة قد تصنع الدمار، لكنها لا تبني شروط البقاء، والتعنت الأيديولوجي الأعمى لحكومة نتنياهو أضاع على الكيان فرصة الاندماج الإقليمي ربما إلى الأبد. لقد انتصر السنوار إقليمياً لأنه أثبت بالدم والميدان أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً يمكن أرشفته في أدراج النسيان، بل هي مفتاح الإقليم بأسره، ومن دونها لا يتبقى للكيان سوى العزلة والانكفاء خلف أسوار الخوف الحصينة.