حراس الوعي وثقافة التبرير: الكوفية لواء الأحرار لا ملجأ المتخاذلين
أسرار صمود الكوفية الفلسطينية وتاريخها النضالي في وجه محاولات طمس الهوية وتسخيف الرموز الوطنية، وتعرف على دلالاتها العميقة.
بقلم: د. علاء أبوعامر
لم تكن الكوفية الفلسطينية يوماً رداءً طارئاً على جسد التاريخ، ولا هي مجرد تشكيل بصري من خيوط بيضاء وسوداء تلتقي لتصنع "أيقونة" للاستهلاك أو الاستعراض الثقافي. إن الذين يبرون اليوم لبعض وجوه الفن والإعلام—كالفنانة إليسا وغيرها—مواقفهم الرمادية أو تخليهم عن واجب الانحياز المطلق للقضية، يحاولون عبثاً التغطية على عجز الموقف الحقيقي بافتعال معارك نقدية باردة تفكك الرمز وتنزع عنه قدسيته النضالية. يزعمون أن الكوفية غدت مجرد "تعويض نفسي" عن واقع مهزوم، وأن الاستغناء عنها أو التقليل من شأنها هو نوع من الواقعية أو الترفع عن الشعارات؛ لكنهم في الحقيقة لا يفعلون شيئاً سوى شرعنة الهروب من الاستحقاق الأخلاقي، وتقديم صكوك غفران فكرية لمن فضّلوا السلامة الشخصية على صرخة الحق.
إن تسخيف الرموز الوطنية وتحويلها تحت مجهر النقد الثقافي إلى "تقليعة" أو "فولكلور" مجرد من الفعالية، هو قراءة قاصرة، بل ومشبوهة، لطبيعة الصراع الوجودي. حين ارتدى الفلاح المقاوم الكوفية في ثورة ١٩٣٦، لم يكن يفتش عن "أيقونة بصريّة" ليعوض بها عجزاً، بل كان يصنع من لثامه درعاً يحميه من عيون المستعمر، ورايةً توحد الصفوف. وحين يتلقف أحرار العالم اليوم هذه الكوفية في شوارع العواصم الغربية والمحافل الدولية، فهم لا يمارسون ترفاً تضامنياً أو استهلاكاً عاطفياً، بل يرفعون وثيقة إدانة كونية ضد الظلم، ويخترقون بها جدار السردية الصهيونية المهيمنة.
الرمز في صراعنا ليس بديلاً عن الفعل، بل هو وقود الفعل، وحارس الذاكرة الجمعية الذي يمنع ذوبان القضية في غياهب النسيان أو التنازلات السياسية.
إن التبرير للمشاهير الذين يتنصلون من واجبهم الأخلاقي بحجة أن "القضايا لا تحسمها قطعة قماش" هو المغالطة الأكبر. فالكوفية ليست مجرد قطعة قماش؛ إنها الجغرافيا حين تُحاصر، والتاريخ حين يُحارب، والهوية حين تُستهدف بالمحو. عندما يختار فنان ما أن ينأى بنفسه عن هذا الرمز، أو يعامله كأداة موسمية يُمكن الاستغناء عنها، فإنه لا يتخلى عن مظاهر شكلية، بل يعلن بوعي أو بدون وعي انسلاخه عن العمق الوجداني لجمهوره ولأمته. وإن محاولة بعض الأقلام صياغة نظريات فكرية لتبرير هذا التراجع، ووصف الكوفية بأنها غدت "تخريفاً عاطفياً" يعيد إنتاج الوهم، هي محاولة بائسة لقلب الحقائق؛ فالجمر لا يصير رماداً طالما أن هناك من ينفخ فيه، والكوفية هي ذلك الجمر الذي يذكر الجميع—حتى المتعبين والرماديين—بأن ثمة حقاً على هذه الأرض لا يقبل القسمة، ولا يخضع للمساومة، ولا يموت بالتقادم.
ستظل الكوفية الفلسطينية حية بدمائها وتاريخها، عصية على كل محاولات التفكيك الأكاديمي البارد أو التبرير الإعلامي المتخاذل. إنها ليست قناعاً يرتديه المترفون ليبكوا به على الأطلال ثم ينزعونه إذا ما ضاقت مصالحهم، بل هي لواء باقٍ ما بقيت القلوب البشرية النابضة بالحق. ستبقى الكوفية تفضح كل موقف رمادي، وتعرّي كل قلم يبرر التخلي عن الثوابت، لتؤكد للعالم أجمع أن الهوية راسخة كجذور الزيتون، وأن الرموز التي تعمدت بالتضحيات لا تموت، بل تظل منارة تلهم الأجيال حتى ينبلج فجر الحرية والعدالة.