انبعاث "العابيرو": كيف تحولتْ صفةُ البداوةِ إلى هويّةٍ مخترعة؟
انبعاث العابيرو.. كيف تحولت صفة البداوة إلى هوية مخترعة؟ قراءة تاريخية وأثرية تفكك السرديات الاستشراقية وتكشف الجذور الحقيقية لمصطلح العبراني.
بقلم:د. علاء أبوعامر
في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشرَ، وبينما كان المنقبونَ ينفضونَ غبارَ القرونِ عن ألواحِ تلّ العمارنة الطينيةِ في صعيدِ مصرَ، بزغَ مصطلحٌ مسماريٌّ أحدثَ زلزالاً في أروقةِ التاريخِ القديمِ: "العابيرو" أو "الخابيرو". تلقفتْ الدوائرُ الاستشراقيةُ والكنسيّةُ، ومِن خلفِها الصهيونيةُ، هذا الكشفَ بشغفٍ أيديولوجيٍّ متسرعٍ، وحاولتْ بشتى السبلِ قسرَ الكلمةِ وتحويرِها لتكونَ الصدى الأثريَّ الأوّلَ "للعبرانيين" كشعبٍ وقوميةٍ ذاتِ جذورٍ سياسيةٍ حصريةٍ في بلادِ الشامِ. غيرَ أنَّ الصرامةَ العلميةَ لعلمِ الآثارِ الحديثِ، وشهاداتِ الحضاراتِ القديمةِ ذاتِها، سرعانَ ما فككتْ هذا الوهمَ، كاشفةً عن حقيقةٍ سوسيولوجيةٍ أعمقَ: إنَّ "العبرانيةَ" في أصلِها العروبي و الكنعانيّ لم تكنْ عِرقاً ولا أمّةً، بل كانتْ ببساطةٍ توصيفاً لنمطِ حياةِ البداوةِ والترحالِ.
حينَ نقرأُ الجغرافيا الحضاريةَ للشرقِ الأدنى القديمِ في الألفِ الثاني قبلَ الميلادِ، نجدُ انقساماً بيئياً واجتماعياً حادّاً؛ فمن جهةٍ، كان هناكَ مجتمعُ الاستقرارِ والحواضرِ الكنعانيةِ التي بَنَتْ المدنَ المسيّجةَ وخضعتْ للنظمِ القانونيةِ والضرائبيةِ. ومن جهةٍ أخرى، كان هناكَ الفضاءُ المفتوحُ للأوديةِ والفيافي، حيثُ تتحركُ جماعاتٌ رُحّلٌ لا تنتمي لأرضٍ بعينِها. هنا وُلِدَ الجذرُ اللغويُّ العروبي المشتركُ "ع ب ر"، والذي يعني في أصلِهِ اللسانيّ قَطَعَ وتجاوزَ منطقة ما أو مسافة من الطريق أو ممرّاً . ومِنْ هذا الجذرِ اشتُقّتْ صفةُ العابر أو "العبراني"، لتصفَ عابرَ السبيلِ أو البدويَّ الذي يعبرُ بقطعانِهِ أطرافَ الممالكِ دونَ أن يستقرَ فيها أو يخضعَ لسيادتِها.
وليس غريباً أن نجدَ صدى هذا المفهومِ الجغرافيّ والبدويّ حياً في تضاريسِ المشرقِ وجزيرتِهِ العربيةِ؛ ففي قلبِ عُمانَ تتجلى ولايةُ عِبري، التي لم تأخذْ اسمَها إلا لكونِها تاريخياً المعبرَ والمحطَ الحيويَّ الذي تلتقي فيه قوافلُ البدوِ الرُحّلِ القادمةِ من مجاهلِ الربعِ الخالي. وفي أقصى شمالِ الشامِ، يبرزُ اسمُ عِفرين في ريفِ حلبَ، حاملاً نفسَ البنيةِ السيميائيةِ؛ فالاسمُ في آراميتِهِ القديمةِ مُشتقٌّ من لفظِ عفرو الذي يمزجُ معنى الترابِ والغبارِ والخصوبةِ، وهي الصّفةُ اللصيقةُ بنهرِها الجاري وبحركةِ الركبانِ والغبارِ الذي تثيرُهُ مواشي البدوِ الرحّلِ في فيافيها وأوديتِها عند العبورِ والاستراحةِ.
إنَّ هذا التفسيرَ الاجتماعي تؤكدُهُ الوثائقُ الماديةُ القاطعةُ. فلمْ يكنْ مصطلحُ "العابيرو" حكراً على أرشيفٍ واحدٍ، بل عُثِرَ عليهِ مُوزعاً بينَ سجلاتِ السومريينَ والأكاديينَ، ورسائلِ مملكةِ ماري العموريةِ على نهرِ الفراتِ، ونقوشِ الفراعنةِ، وألواحِ أوغاريتَ الكنعانيةِ، وحتى أرشيفِ الحثيينَ في الأناضولِ. في كلِّ هذهِ المصادرِ المتنوعةِ، لم يُذكرْ "العابيرو" قط كاسمِ عَلَمٍ لقوميةٍ أو أمةٍ ذاتِ نسبٍ واحدٍ. بل كانتْ الإشاراتُ تصفُهُم كخليطٍ طبقيٍّ من الرعاةِ، المرتزقةِ، العمالِ المهاجرينَ، والخارجينَ عن القانونِ الطارئينَ على المدنِ. ولعلَّ الدليلَ الحاسمَ على غيابِ الهويةِ العرقيةِ أو الدينيةِ الموحدةِ لهؤلاءِ البدوِ هو إشارةُ المعاهداتِ الحثيةِ القديمةِ إلى "آلهةِ رجالِ الخابيرو" بصيغةِ الجمعِ؛ ممّا يعكسُ أنهم كانوا مجموعاتٍ متعددةَ الأصولِ والاعتقاداتِ، يُقسِمُ كلُّ فريقٍ منهم بآلهةِ موطنِهِ الأصليِّ كإيل وبعل وعشيرة، دونَ أيِّ ذكرٍ لإلهٍ قوميٍّ واحدٍ يجمعُهُم.
هذا التداخلُ بينَ اللفظِ ونمطِ الحياةِ البدويِّ لم ينقطعْ عن بيئتِهِ؛ بل هو حيٌّ في فقهِ اللغاتِ العروبية "الساميةِ" التي ترى في كلمتَي عَبَر وعَرَب وجهاً لعملةٍ لغويةٍ واحدةٍ عبرَ ما يُعرفُ بـ القلبِ المكانيِّ للحروفِ، حيثُ يدورُ المعنيانِ في الفلكِ ذاتِهِ: البداوةُ، الترحالُ، وقطعِ المفاوزِ. وهو السلوكُ الذي عبّرتْ عنهُ القبائلُ العربيةُ في صحرائها بحركاتِ المعابرةِ والركبانِ العوابرِ التي تقطعُ المدى.
في المحصلةِ التاريخيةِ، يتضحُ أنَّ السرديةَ الكنسيةَ والصهيونيةَ الحديثةَ قد ارتكبتْ سرقةً أنثروبولوجيةً موصوفةً؛ إذ عمدتْ إلى تجريدِ مصطلحٍ أجتماعي "سوسيولوجيٍّ" عامٍ كان يصفُ شريحةً واسعةً من بدوِ المشرقِ القديمِ ورُحّالِهِ، وحوّلتْهُ تعسفياً إلى عِرقٍ نقيٍّ وتاريخٍ قوميٍّ مُخترعٍ لخدمةِ غاياتٍ سياسيةٍ معاصرةٍ. إنَّ نصوصَ الطينِ والآثارِ الصامتةَ لا تكذبُ، وهي تُعيدُ قطارَ التاريخِ إلى سِكّتِهِ الصحيحةِ: لم يكنْ "العبرانيُّ" الأولُ سوى ذلكَ البدويِّ العابرِ في جوفِ الصحراءِ، تماماً كما كانَ الكنعانيُّ والآراميُّ والمؤابيُّ يمارسونَ العبورَ والترحالَ؛ فالقضيةُ لم تكنْ يوماً هويةَ شعبٍ، بل كانتْ دائماً حكايةَ أسلوبِ حياةٍ. ونصوص العهد القديم واضحة في أن وصف ابراهيم وبنيه وأحفاده بالعبرانيين كان وصفا من الشعوب الأخرى لهم بهذه الصفة البدوية بل إن يوسف استخدمها ليميز بين المصريين سكان المدن والعبرانيين سكان البادية والخيام.
وقد حسم القرآن هذه الصفة باستخدام كلمة البدو في وصف بني اسرائيل أو أبناء يعقوب " وجاء بكم من البدو".