رسالة كنعانية لم تبرد بعد: كيف خبزت أوغاريت روح الشراكة الإنسانية؟

كيف وثقت أوغاريت عبر الرقيم الأوغاريتي الشراكة الإنسانية وحقوق المرأة في العصر البرونزي، في مقال د. علاء أبوعامر حول الحضارة الكنعانية العريقة.

رسالة كنعانية لم تبرد بعد: كيف خبزت أوغاريت روح الشراكة الإنسانية؟
رسالة كنعانية لم تبرد بعد: كيف خبزت أوغاريت روح الشراكة الإنسانية؟
رسالة كنعانية لم تبرد بعد: كيف خبزت أوغاريت روح الشراكة الإنسانية؟

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في مدينةِ أوغاريت، الحاضرة الكنعانية الساحلية التي علّمت العالم الأبجدية، لم يكن الطينُ مجرد تُرابٍ يُداس، بل كانَ السِّجِلَّ الأوَّل والرحم الذي تُولد فيه الأفكار وتُعمد بالنار لتتحول إلى ذاكرة أبَدية. هناك، كانت الكلمة تُنقشُ كما تُنقشُ الروح، نابضة بحرارة اليد التي شكلتها بقلم القصب قبل أن تُسلمها لفرن الفخار. ومن قلب تلك النيران، خرج الرقيم الأوغاريتي المترجم "Rs.145.8" ليقول شيئاً لم تقله حضارات كثيرة معاصرة له: إن المرأة ليست ظلّاً للرجل، بل شريكة في البيت، وفي الحقل، وفي الإرث، وفي القرار. 

إنَّ عظمةَ "الرَّقِيم" تكمنُ في معجزتِهِ العكسية؛ فبينما تحترقُ الكتبُ والقرطاسُ والمخطوطاتُ في شررِ الحروبِ وتتحولُ إلى رماد، كان الرَّقِيمُ الأوغاريتيُّ يزدادُ صلابةً وقوةً كلَّما التهمت النيرانُ الممتلكاتِ والقصور. لقد خبأت لنا النارُ تحتَ أنقاضِ التاريخِ رسائلَ الحُبِّ، وعقودَ البيعِ، ووصايا الإرثِ، وشراكةَ المرأةِ والرجل، وكأنَّ الطينَ شُرِّبَ بالخلودِ لكيْ نَقرأَهُ نحنُ اليوم.. دافئاً، وكأنَّ صاحِبَهُ قد فرغَ من نَقْشِهِ لتوِّه، تاركاً عليه أثراً من حرارة القلب قبل حرارة النار. 

أن يُكتبَ قانونٌ يُساوي بين الرجلِ والمرأةِ في زمنِ العصر البرونزي الحديث، يعني أنَّ مجتمع أوغاريت استوعبَ مبكراً معنى "الندّية"، وفهمَ أنَّ حريةَ المجتمعِ تبدأُ من فكِّ قيودِ نصفِهِ. في ذلك العصرِ البعيد، حيثُ كانت القوةُ العضليةُ وصليلُ السيوفِ هما الحاكمَينِ لِالعالم، جاءت هذه القوانينُ لتحميَ كرامة المرأة، ليس من بابِ العطف، بل كحقٍّ أصيلٍ صاغَهُ المشرِّعُ وهو يرى فيها ركيزة لا يستقيمُ السقفُ الحضاريُّ إلا بها. 

ولم تكن هذه المساواة حبراً على طين، بل كانت واقعاً حياً يتحرك في أروقة القصور والأسواق؛ فالملكات الأوغاريتيات، مثل الملكة الشهيرة "شاريلي" والملكة "أهات ميلكو"، لم يكتفين بلقب الشرف، بل حملن أختاماً ملكية خاصة، وأدرن شؤون الدبلوماسية الدولية، وفصلن في النزاعات القانونية الكبرى. وفي الأسواق الساحلية، كانت للمرأة الأوغاريتية ذمتها المالية المستقلة؛ تشتري الأراضي، وتستثمر في سفن التجارة، وتورث بناتها وأبناءها على حد سواء. هذا الرقيم هو الصدى القانوني لتلك القوة؛ إنه يوثق زمناً لم تكن فيه الأنوثة ضعفاً، بل كانت قيادة، وحكمة، وشراكة كاملة في بناء الحضارة. 

وإلى جانب هذا الرقيم الكبير، تخيلوا معي كاتب أوغاريت المجهول، ولنسمّه "لاريمان"، وهو يأخذ قطعة طين صغيرة أخرى بعد أن فرغ من خط الشريعة العامة، لينقش عليها وصية دافئة إلى ابنته، تفيض بوعي حضارته: 

"إلى ابنتي الغالية.. نور عينيَّ وباب قلبي،

أكتب إليكِ والرماد ما زال يعلق بثوبي، وحرارة الفرن تملأ كفيّ. لقد فرغتُ لتوي من نقش شريعة المدينة على الرقيم الكبير. ومع كل حرف مسماري حفرته بقلم القصب، كنتُ أفكر فيكِ وفي مستقبلكِ.

يا ابنتي، أردتُ من هذا الطين أن يكون درعاً لكِ عندما يغيب جسدي تحت التراب. اعلمي أنكِ في أوغاريت لستِ ظلاً لأحد، ولا متاعاً يورث. هذا الرقيم يضمن لكِ حقكِ في حقل الزيتون، وفي كرم العنب، وفي بيت أبيكِ. لكِ الختم، ولكِ الاسم، ولكِ القرار.

إن الرجال في الممالك الأخرى يكتبون القوانين ليحكموا بها النساء، أما هنا، فنحن نكتب القانون لنحمي الشراكة التي قامت عليها أرض كنعان. خذي هذا الحق، واعلمي أن أصابع أبيكِ لم تكن تنقش حبراً، بل كانت تحفر كرامتكِ في ذاكرة الأرض لتبقى حية.. حتى لو مرت آلاف السنين، وتحولنا جميعاً إلى تراب". 

إنَّ هذا الرقيمَ الساخنَ يُثبت للعالم اليوم أنَّ العدالةَ الاجتماعيةَ وحقوقَ المرأة ليست اختراعاً حديثاً، بل هيَ بذورٌ شرقيةٌ نبتت في الساحلِ السوريِّ القديم، وحُفظت في أفرانِ الفخارِ لتشهدَ أنَّنا كنا، منذ البدء، ننقشُ القوانينَ كما تُنقشُ الأرواح.. بالعدلِ والشراكةِ والجمال.