أرشفة الجسد وتفكيك العقل الصهيوني: النسيج الكنعاني شهادة عيان ضد المحو

تعرف على الأدلة التاريخية والآثارية التي تثبت أصل الثوب الفلسطيني الكنعاني وتفنيد محاولات طمس الهوية.

أرشفة الجسد وتفكيك العقل الصهيوني: النسيج الكنعاني شهادة عيان ضد المحو
أرشفة الجسد وتفكيك العقل الصهيوني: النسيج الكنعاني شهادة عيان ضد المحو

بقلم: د. علاء أبوعامر 

حين تضيق الحيلة البصرية بالتشكيك الصهيوني، ومن ورائهم ركبان الصهاينة العرب، يلوذون بطلب تعجيزي ينم عن فقر في القراءة التاريخية وأنثروبولوجيا المواد؛ يطالبونك بقطعة قماش مطرزة بغرزة الصليب تعود لعصر ما قبل الميلاد، واهبين مناخ بلاد الشام الرطب قدرة خارقة على حفظ الألياف العضوية السريعة التحلل، وهو ما لم تفعله الطبيعة إلا في جفاف الصحراء المصرية الحارقة. إنهم يتناسون عمدًا أن غياب المادة العضوية المتحللة لا يعني غياب الصانع، وأن الحضارات الكنعانية لم تحفظ أرشيف وجودها تحت التراب ليأكله العفن، بل طبعته فوق الحجارة، والعاج، وجدران المعابد، ثم أودعته في "الذاكرة الجسدية المأهولة" التي تناقلتها الأمهات غرزة تلو غرزة، ليظل الثوب الفلسطيني المعاصر كتابًا مفتوحًا ومطرزًا بيقين الأرض.

أما التشبث بمصطلح "عامو" الذي أطلقه الفراعنة في نقوش مقبرة بني حسن نحو عام ألف وثمانمائة وتسعين قبل الميلاد، لمحاولة نفي الكنعانية عن تلك الوفود الملبسية، فهو سقطة علمية مضحكة. إن الأسماء التي يطلقها "الآخر" الغازي أو المجاور لا تلغي حقيقة الذات المبدعة فوق أرضها؛ فالنقوش الملونة في بني حسن لا تعرض مجرد ملابس ملونة عابرة لآسيويين مجهولين، بل تعرض هندسة كنعانية بصرية دقيقة تقوم على الخطوط العمودية والأفقية وزخارف التربيع المكررة التي تطابق الفلسفة البنيوية لتوزيع "البنايق" و"القبات" في ثوب الفلاحة الفلسطينية المعاصرة. وإذا كانت الرسوم المصرية وحدها لا تشفي غليل المشككين، فإن شواهد التاريخ والآثار تتدفق من كل حدب وصوب لتخرس هذا الضجيج المصطنع.

إن من يعجز عن قراءة الرسوم والنقوش الأثرية الواضحة، يختار بإرادته عمى البصيرة. فالأدلة البصرية لا تنحصر في عاجيات مجدو المذهلة التي وثقت الرداء الفلسطيني الكنعاني ذي الأكمام المثلثة الفضفاضة، بل تمتد لتشمل منحوتات ومسلات بلاد الرافدين، وألواح "أوغاريت" الساحلية، وجداريات مقابر الوزراء النبلاء في طيبة مثل مقبرة رخميرع، حيث يظهر الكنعانيون بأثوابهم الكتان الفاخرة الموشاة بأشرطة الأرجوان الصوري المصبوغ بصدف الموركس الساحلي. والأهم من هذا كله، ما حفظته لنا ألواح نينوى الحجرية المحفوظة في المتحف البريطاني، والتي توثق حصار الملك الآشوري سنحاريب لمدينة "لخيش" الفلسطينية القريبة من الخليل عام سبعمائة وواحد قبل الميلاد؛ حيث تخرج النساء الفلسطينيات الكنعانيات من المدينة المحاصرة وهن يرتدين أثوابًا فضفاضة طويلة تغطي الأقدام، ويضعن فوق رؤوسهن أغطية شعر منسدلة مطوقة بعصابة الجبهة، في تطابق مذهل وشبه تام مع ثوب "الوقاية" أو "الخرقة" الخليلية والتلحمية المعاصرة.

إن هذا التواتر السيميائي الصامد ليس تواردًا عفوياً للخواطر، بل هو عقيدة بصرية صاغها الأجداد الأوائل. لقد حوّلت المرأة الكنعانية رُموز عقيدتها القديمة، من نجمة عشتار ثمانية الرؤوس المكتشفة في كهوف أريحا إلى سروة الخلود الشامخة، ومن تمائم الحماية الزراعية ضد القحط إلى قسَم وطني مطرز بخيوط الحرير ضد الجرافة والمحو. إن غرزة الصليب الفلسطينية هي نتاج حساب رياضي دقيق لعدد خيوط السدى واللحمة تولدت من طبيعة الأنوال العمودية العتيقة التي ابتكرها الكنعانيون في هذه الأرض وصدروا تقنياتها عبر البحار.

في المحصلة، يظل الثوب الفلسطيني أرشيفًا حيًا عابرًا للمتاحف وجفاف الأوراق الأكاديمية الاستعمارية. إن الهوية الكنعانية المنسوجة في تفاصيل أثوابنا لا تنتظر إذنًا من عقل صهيوني، أو متصهين، يطالب بخرقة بالية من تحت التراب ليصدق التاريخ؛ فالشواهد محفورة في صخر لخيش، وعاج مجدو، وحرير يافا، وغزة، والخليل. لقد كتب الفلسطيني تاريخه بالحرير ليعيش فوق أجساد الأحياء راية صمود متنقلة، ومن لم تقنعه كل هذه المنحوتات والنقوش والرسوم الشاهدة على أصالة هذه البلاد منذ فجر الزمان، فليس له في ميدان الفكر والعلم متسع، ومكانه الطبيعي خارج سياق الوعي البشري تمامًا.

.. ....

ملاحظة: هذا المقال تفنيد لحجج صهاينة العرب في الرد على مقالاتي السابقة، سيليه اخر.