أسعار النفط تكسر 100 دولار للمرة الثانية في 24 ساعة

واصلت أسعار النفط ارتفاعها لتكسر حاجز 100 دولار للمرة الثانية خلال 24 ساعة، مدفوعة بتصعيد الهجمات على منشآت الطاقة في السعودية وتزايد المخاطر على الملاحة في مضيق هرمز، وسط مخاوف من موجة تضخم جديدة.

أسعار النفط تكسر 100 دولار للمرة الثانية في 24 ساعة
أسعار النفط تكسر 100 دولار للمرة الثانية في 24 ساعة

تواصل أسعار النفط رحلة الصعود العنيفة، لتكسر حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الثانية خلال 24 ساعة فقط، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات الطاقة الكبرى التي شهدتها الأسواق العالمية. وجاء هذا الاختراق الجديد مدفوعاً بتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وبالتزامن مع هجمات طالت منشآت نفطية حيوية في المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، مما ألقى بظلاله الثقيلة على إمدادات الخام وأشعل المخاوف من نقص المعروض.

ووفقاً لبيانات التداول الصادرة اليوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي لتتجاوز مستوى 99 دولاراً للبرميل، بعد أن كانت قد سجلت أعلى مستوى لها عند 99.22 دولاراً في وقت سابق من الجلسة. أما خام غرب تكساس الوسيط الأميركي، فواصل هو الآخر مكاسبه ليصل إلى نحو 94.60 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 8 يونيو الماضي. ويُعد هذا الارتفاع الحاد استمراراً لموجة صعود قوية شهدها النفط خلال الأيام الماضية، حيث أغلق السوق الأسبوع الماضي على مكاسب قاربت 9.28%، ليقترب من الحاجز النفسي الكبير الذي طالما شكل علامة فارقة في تاريخ أسواق الطاقة.

هجمات الحوثيين على السعودية تشعل أسعار النفط

ويأتي هذا الصعود الدراماتيكي في أسعار النفط على خلفية سلسلة من الهجمات التي نفذتها جماعة الحوثي اليمنية، المدعومة من إيران، على منشآت حيوية في جنوب المملكة العربية السعودية. وأسفرت هذه الهجمات، التي استهدفت مناطق متعددة بما فيها أبها ونجران وجازان، عن اندلاع حرائق وإصابة أكثر من 70 شخصاً، إضافة إلى توقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية في قطاع الطاقة. وقد اعتبرت السلطات السعودية هذه الهجمات بمثابة تصعيد خطير، في وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية التي تهدد البنية التحتية للنفط في قلب المنطقة الأكثر إنتاجاً للخام في العالم.

ولم تقتصر التداعيات على الهجمات البرية، بل امتدت لتشمل المضائق البحرية الحيوية. فالتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي بدأت مع الهجوم المشترك على إيران في أواخر فبراير الماضي، أدت إلى تعطيل شبه كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الأهم في العالم الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية. وتزامن ذلك مع تهديدات إيرانية لسفن الشحن، مما دفع شركات التأمين إلى رفع أقساط التأمين على الناقلات بشكل حاد، ما زاد من تكلفة نقل الخام وقلص من كمية الإمدادات الواصلة إلى الأسواق.

📌 معلومة مهمة: تسببت الهجمات على منشآت الطاقة السعودية وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز في خفض الصادرات النفطية من منطقة الخليج بنحو 200 مليون برميل يومياً، وفقاً لتقديرات خبراء الطاقة. كما أدى تغيير مسارات السفن إلى زيادة المسافات وأوقات الرحلات والتكاليف التشغيلية، الأمر الذي انعكس سلباً على تكاليف الشحن والتأمين وضاعف من الضغوط التضخمية عالمياً.

الأسواق العالمية ترتجف: تضخم وتراجع في البورصات

لم تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار النفط على أسواق الطاقة فحسب، بل امتدت لتضرب الأسواق المالية العالمية بعنف. فقد أدى اقتراب النفط من حاجز 100 دولار إلى إحياء مخاوف التضخم التي اعتقد المستثمرون أنها أصبحت تحت السيطرة. وفي وول ستريت، هوت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز بأكثر من 400 نقطة، بينما تراجعت مؤشرات الأسهم الأوروبية والآسيوية بشكل ملحوظ. ويعكس هذا التحرك العنيف قلق الأسواق من أن يستمر ارتفاع الطاقة في تغذية موجة تضخمية جديدة، مما قد يدفع البنوك المركزية، وخصوصاً مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة مجدداً.

وفي هذا السياق، تجاوز معدل التضخم في منطقة اليورو حاجز 3% في أغسطس الماضي، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الطاقة، مما عزز التوقعات برفع الفائدة الأوروبية خلال الشهر الجاري. أما في الولايات المتحدة، فقد ارتفعت توقعات السوق لرفع الفائدة في اجتماع البنك الفيدرالي المقرر منتصف سبتمبر إلى حوالي 60%، مقارنة بـ 50% قبل أيام قليلة. وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار ارتفاع النفط إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما يثبط النمو الاقتصادي ويضغط على أرباح الشركات.

توقعات مستقبلية: هل يستمر النفط فوق 100 دولار؟

مع استمرار حالة عدم اليقين التي تسود المنطقة، يترقب المحللون والمستثمرون مستقبل أسعار النفط بقلق بالغ. ويرى بعض الخبراء أن استمرار تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب الهجمات المتكررة على منشآت الطاقة، قد يبقي الأسعار مرتفعة فوق حاجز 100 دولار لفترة ممتدة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن النزاع في الشرق الأوسط قد تسبب في أكبر صدمة لإمدادات النفط في التاريخ، مع تراجع الإنتاج بما يصل إلى 7 ملايين برميل يومياً.

وفي المقابل، تتوقع بعض المؤسسات المالية الكبرى، مثل بنك غولدمان ساكس، أن تشهد الأسعار تراجعاً تدريجياً مع نهاية العام، حيث خفّض البنك توقعاته لخام برنت إلى 85 دولاراً للبرميل بنهاية 2026، مرتفعاً من توقعات سابقة كانت أقل. لكن هذا السيناريو يظل مرهوناً بعودة الاستقرار إلى المنطقة وإعادة فتح ممرات الملاحة الحيوية، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل استمرار الجمود في المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران.

ويبقى السؤال الأهم: هل نحن على أعتاب موجة نفطية جديدة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، أم أن هذا الارتفاع مجرد فقاعة مؤقتة تنكمش مع أول بوادر للتهدئة؟ المؤشرات الحالية تميل إلى السيناريو الأول، حيث تتضافر العوامل الجيوسياسية مع نقص حقيقي في المعروض لدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، تاركة البنوك المركزية وصنّاع القرار في مواجهة معضلة حقيقية بين كبح التضخم ودعم النمو.

المصدر: يلا نيوز نت